كان الإمام - رحمه اللّه تعالى - شخصيّة علميّة فذّة ، لم يحك لنا التأريخ نظيرها في العصر الحاضر ، وكان المثل الأعلى في العلم والفضيلة في أدواره الثلاثة :
دور الصبا ، ودور الكهولة ، ودور الشيخوخة .
فقد كان في دور الصبا الفتى اللامع الذي حاز قصب السبق في الجدّ والذكاء ، وكان في دور الكهولة العالم الوحيد بين الفضلاء والعلماء ، وكان في دور الشيخوخة المرجع العظيم للامّة التي ألقت إليه مقاليدها ، وفزعت إليه في جميع مهمّاتها وأمورها .
كان باسم الثغر ، وضّاح الجبين ، وكان قويّ الحجّة ، طلق اللسان ، إذا تكلّم انحدر كالسيل من غير تلعثم أو تلكّؤ ، يقرع الحجّة بالحجّة ، والدليل بالدليل ، يتبسّط إليك في الحديث الصعب الغامض ، فتخال إنّه سهل واضح ، وما هو بالسهل ولكن فصاحة اللسان ، وسطوع البرهان ، وجاذبيّة الحديث ، وساحريّة الأسلوب ، كلّ ذلك جعلك تتذوّقه وتستسيغه وتحسبه سهلا .
وكانت مجالسه مدرسة راقية ، فيها العلم ، وفيها الأدب ، وفيها كلّ ما شئت من ألوان الحديث وضروب الكلام ، وكانت تختلف باختلاف الأشخاص مراعاة لمقتضى الحال .
وقد كنت ترى - وأنت جالس بين يديه - كأنّك في العصر الذي ينتقل بك إليه ، ويحدّثك عنه ، فتارة يحدّثك عن جبرائيل عليهالسلام ونزوله بالوحي ، فتحسب أنّك قد رأيت شخصه وسمعت صوته .
وطورا يحدّثك عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فتخال أنّك شهدت رسالته ، وحضرت معجزاته ، وأبصرت عن كثب « 1 » أحاديثه وحكمه .
وهكذا ترى نفسك كلّما انتقل بك من حديث إلى حديث ، نظرا لدقّة تصويره وبراعته في التعبير ، وتخرج من مجلسه - وبودّك أن لا تفارقه - مصقول الذهن ، مهذّب الفكر ، واسع الاطّلاع .
وإليك الكلمة التي قالها عنه فيلسوف الفريكة « 2 » في كتاب ملوك العرب قال في
هامش
( 1 ) - . كثب : أي قرب . راجع المعجم الوسيط : 777 ، « ك . ث . ب » .
( 2 ) - . هو أمين بن فارس الريحاني ، كاتب خطيب يعدّ من المؤرّخين ، ولد بالفريكة من قرى لبنان سنة 1293 ، وتوفّي فيهاسنة 1359 ، وكان يقال له : فيلسوف الفريكة . انتهى ملخّصا عن الأعلام ج 2 ص 18 . « ع »