سيّدهم ، فما وجد فيهم إلّا مشير صدق ونصح وإخلاص وشفقة ، فناط بهم ثقته ، وألقى إليهم مقاليده في تلك السعادة العظمى ، والرئاسة العامّة ، فأخلصوا له النصح ، واجتهدوا له في المشورة ، وكان أمره شورى بينه وبينهم ، فاتّسق له بوزارتهم ما اتّسق من أمور الدنيا والدين .
وكان من أخصّهم به في هذه الوزارة لسيّدنا صاحب العنوان ، صغى إليه أستاذه بودّه ، وكان له موضع خاصّ من نفسه ، ومكان مكين من قلبه ، يؤامره في دخائله - قبل وضعها على بساط الشورى - إخلادا إليه بالثقة ، واعتمادا عليه بحصافة الرأي ، ثمّ يحيلها إلى الشورى التي كان لا يورد في مهمّات الأمور العامّة ولا يصدر إلّا عنها ، حتّى كأنّه وأصحابه هم المعنيّون بقوله عزّ من قائل : «
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
» « 1 » .
هكذا كان أيّام زعامته كلّها ، وهكذا كان أصحابه البررة الخيرة مخلصين للّه عزّ وجلّ في أعمالهم حتّى لقوا اللّه تعالى حنفاء مخلصين له الدين .
وكانت وفاته - أعلى اللّه مقامه - في سامرّاء ليلة الأربعاء الرابع والعشرون من شعبان سنة 1312 وحمل على رؤوس الخلائق وأكفّهم من سامرّاء إلى النجف الأشرف مسافة ثماني مراحل على راكب الدابّة .
تداول حمله عامّة الناس ممّن هم في سامرّاء والنجف وما بينهما من المدن والقرى والبوادي ، فكان الاجتماع عظيما لم ير مثله أبدا .
تداولوا حمله عشيرة عشيرة ، وحيّا حيّا ، ومدينة مدينة ، وقرية قرية ، وتزاحموا على التبرّك والتشرّف به ، متهافتين عليه الوفا ، تهافت الهيم العطاش على الماء ، وجدّدوا فيه العهد بالضرائح المقدّسة ، وصلّوا عليه في المشاهد الأربعة ، وكان لأهل بغداد والمشاهد المشرّفة وما حولها ، ولا سيّما النجف الأشرف حالات في استقبال النعش وتشييعه
هامش
( 1 ) - . الشورى 38 : 42 .