وقد سالت بهذه المنقبة أسلات الألسنة ، وجرت سيولا من أنابيب الأقلام ، فأغنانا ذلك عن تفصيلها .
فتح اللّه على هذا الإمام العظيم أبواب الخيرات بالأموال منهمرة ، وفجر له كنوز الأرض قناطير مقنطرة ، فعزفت نفسه القدسيّة عنها رغبة عن الثراء ، وزهدا في الاستكثار ، وإيثارا لمهمّات الامّة ، ومصالحها العامّة ( 1 ) .
وكان - أعلى اللّه مقامه - يؤثر في صرف الأموال فريقين :
أحدهما : أهل العلم ليتخرّجوا من معاهدهم ومدارسهم العلميّة دعاة إلى الحقّ ، وقادة إلى سبيله .
وثانيهما : الضعفاء والبائسين من اليتامى والأيامى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل من الشيعة في أقطار الأرض التي كانت الأموال تأتيه منها .
فأمّا من كان في سامرّاء من الفريقين كليهما فقد كانوا بأجمعهم عيالا عليه في جميع شؤونهم ، وقد وسعهم عطاؤه ، وغمرتهم نعمته .
وأمّا من كان من الفريقين في غير سامرّاء من جميع الأنحاء التي تجبى إليه منها تلك الأموال فقد أجرى عليهم نفقاتهم رواتب تأتيهم في كلّ شهر أينما كانوا ، فكانت هوادي نعمه عليهم متّصلة بتو إليها ، وكانت سوابقها مردفة بلواحقها ، فكلّ نعمة من نعمه عليهم كانت تتمّ غوابر أنعامه ، وتضاعف سو الف إيلائه .
ولا تسل عن الوفود التي كانت تنتجع فضله ، وتستمطر معروفه ، فيجزل لهم من
شرح
( 1 ) كبناء المدارس والمساجد ، وقد بنى في سامرّاء مدرستين كبيرتين أنفق عليهما أموالا كثيرة ، وبنى فيها جسرا وصل به ضفتي دجلة أنفق عليه نحوا من عشرة آلاف ليرة عثمانيّة ذهبا أو أكثر ، لكنّ الحكومة العثمانيّة حين استولت عليه لم تحتفظ به فإذا هو الآن لا عين ولا أثر ، وقد رجعت زوّار العسكريّين إلى ما كانوا عليه من الخطر ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون .