وإذ كان في المكتبة - مكتبته القيّمة - تجلّى للناظرين إمعانه في تتبّع آثار المتبحّرين من المتقدّمين والمتأخّرين ، يحصي مسائلهم ، ويتدبّر دخائلهم ، ويقف على الكنه من أغراضهم السامية .
وإذ رأيته يلقي دروس العلم قلت : «
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
» « 1 » .
وإذا نظرت في ما أخرجه قلمه قلت : هو الغاية في بابه .
وإذا أوغل في البحث ، وأمعن في التنقيب ، استبطن الدخائل ، واستجلى الغوامض ، واستخرج المخبآت ، ومحّص الحقائق .
وإذا انبرى للوعظ والإرشاد ، فجّر اللّه على لسانه ينابيع الحكمة ، فملك أعنّة القلوب ، وردّ شوارد الأهواء ، وقاد حرون الشهوات ، وقوّم زيغ النفوس ، فخشعت الأبصار ، وخفقت الأفئدة خشية ورقّة .
وبرجوعه إلى الكاظميّة على عهد المقدّس والده ، قد استأنفا نشاطهما للبحث عن غوامض العلوم ، وارهفا عزائمهما لذلك ؛ جريا على عادتهما المستمرّة كلّما اجتمعا منذ نشأ أبو محمّد حتّى شاخ .
ماضمّهما مكان إلّا وكان على جمام من النفس ، ونشاط للبحث ، وارتياح إلى العلم ، ينتهزان فرصة الاجتماع ، فلم تفتهما نهزة ، ولا ضيّعا فرصة .
لم يمض عليه - بعد رجوعه إلى الكاظميّة - سنتان حتّى أصيب بالمقدّس أبيه ، فكان رزؤه به عظيما ، وقام بعده بمهمّاته كلّها وزيادة .
أبى أوّلا على الناس أن يقلّدوه فأرجعهم - منذ توفّي أستاذه الأكبر - إلى ابن عمّه المقدّس السيّد إسماعيل الصدر .
فلمّا توفّي ابن عمّه سنة 1338 قام بالأمر بعده ، فظهرت رسالته العمليّة - رؤوس المسائل المهمّة - وعلّق على كلّ من تبصرة العلّامة ونجاة العباد والعروة الوثقى تعاليق
هامش
( 1 ) - . يوسف 31 : 12 .