وكان السيّد إذا أتى الكاظميّة للزيارة ينتهز فرصة الاجتماع بالشيخ وقت درسه وأوقات فراغه ، فيمعن معه في البحث عن مشكلات المسائل الفقهيّة ، واستجلاء غوامضها ؛ إذ كان يكبر الشيخ في اعتداله في مفاد الأدلّة ومجاري الأصول ، وبإحاطته بالفقه في جميع أبوابه .
والشيخ كان يكبر السيّد بقدسي نفسه ، وعلوّ أخلاقه ، ورسوخ ملكته في استنباط الفروع باعتدال ودقّة ، معجبا بفضله الواسع ، واشتراكه في كثير من العلوم .
وبهذا وذاك كانا - منذ تعارفا - يتساهمان الوفاء ، ويتقاسمان الصفاء .
ثمّ استوطن السيّد في الكاظميّة بعد أن تأهّل فيها بالعقيلة الجليلة امّ أولاده الميامين ( 1 ) ، وذلك سنة 1264 ، فاستحفصت ( 2 ) بينه وبين الشيخ أسباب الإخاء ، وامرّ ( 3 ) بينهما حبل الولاء ، ولبس كلّ منهما صاحبه ، وأمتع به حتّى الممات .
فورث عنهما هذه العاطفة أعقابهما ، حيث اشتبكت بينهم وشائج الرحم ، وجمعتهم المناسب والمناصب ( 4 ) ، فكانوا كأنّهم أهل بيت واحد ، وارومة واحدة .
وما إن حطّ السيّد رحله بفناء بابي الحوائج إلى اللّه عزّ وجلّ مستجيرا بحرمهما ،
شرح
( 1 ) هي كريمة الشيخ محمّد بن الحاجّ حسين مراد الهمداني ، وكان من صالحي المؤمنين مجاورا للإمامين الكاظمين عليهما السلام وله في البرّ والإحسان وصالحات الأعمال قدم صدق ، أمّا كريمته فقد كانت على جانب من الدين والعقل والآداب والأخلاق ، من أكمل النساء وأعرفهنّ بواجبات المرأة من كلّ النواحي ، وقد توفّيت - رحمها اللّه تعالى - في الكاظميّة سنة 1319 ، ودفنت في النجف الأشرف أيّام هجرتنا العلميّة إليها ، وأنا وسّدتها في ملحودة قبرها المبارك ، وقمت بتوفيق اللّه تعالى بما يجب يومئذ لها ، والحمد للّه ربّ العالمين .
( 2 ) أي استحكمت .
( 3 ) أي أحكم .
( 4 ) المناسب جمع نسب على خلاف القياس ، والمنصب هنا الحسب .