عن ذلك ، حتّى أنّه آثر الغربة تفرّغا للعلم وانقطاعا إليه ، وكان في أوقاته كلّها على جمام من نفسه ، ونشاط من عزمه ، يرقب بريد الظفر ، ويتتبّع رائد النجح ، حتّى بلغ الغاية التي كانت تحدّثه بها نفسه ، ويتعلّق بها أقصى آماله ، والحمد للّه رب العالمين .
منزلته العلميّة وهديه
كان - أعلى اللّه مقامه - من أعلام الفقه والأصول ، وأثبات الأثبات في هدي آل الرسول ، عيبة أسرارهم ، ومستودع أخبارهم ، قد تتبّع حقائقهم ، واستقرأ دقائقهم ، يخوض عبابها ، ويغوص على غوامضها ، محيطا بأصولها وفروعها ، عارفا بكنه ما يؤثر عنهم من علم وحكمة ، جهبذا في كلّ ما يعزى إليهم من قول وفعل ، مستنّا بسنّتهم ، مقتصّا مواقع أقدامهم ، فلا غرو أن كان مفصل أحكامهم ، ومقطع الحقّ من حلالهم وحرامهم عليهم السلام .
ومع هذا فقد كان يتورّع عن الفتوى بغير الاحتياط ، ولا يقضي بين المترافعين إليه وإنّما كان يصلح بينهم ، آثر بذلك طريقة السيّد جمال الدين عليّ بن طاووس « 1 » ، وكان على شاكلته في المراقبة والمحاسبة والمجاهدة لنفسه قدّس اللّه نفسيهما .
وكان نسيج وحده ، وقريع دهره في علم الأخلاق ، وله في تفسير القرآن قدحه المعلّى ، وله في علم الدراية والرجال والرياضيّات غرّة واضحة ، ومزيّة ظاهرة .
أمّا العلوم العربيّة فقد كان ممّن لا يجارون ولا يبارون فيها ، ولا سيّما في علمي المعاني والبيان إذ بان شأوه فيهما .
كنت أستصبح بضوئه فيما لم أهتد إليه من معضلات المطوّل - للمحقّق التفتازاني - فيهديني إليها بنور بيانه ، وسطوع حجّته ، فإذا هي كالشمس في ريعان الضحى ، وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربيّة - إذ كنت مشغولا بها - فيثلج
هامش
( 1 ) - . راجع : ترجمته في أعيان الشيعة 358 : 8 ؛ أمل الآمل 205 : 2 ، الرقم 622 ؛ روضات الجنات 325 : 4 ، الرقم 405 .