مصر سنة 1213 فبقي الجزّار في عكّا مطمئنّا في ولايته الإقطاعيّة ، وقد ورم أنفه من أهل جبل عامل ، فكان له قلب ينغل بالعداوة لهم ، ويجيش بالغلّ عليهم ، وما هلك سنة 1219 حتّى أهلك الحرث والنسل ( 1 ) .
استطراد وممّن امتحن اللّه قلوبهم في تلك المحن شيخنا الشيخ إبراهيم الكبير بن الشيخ
يحيى ( 2 ) ، وقد هرب بدمه إلى بعلبك ولقي في الطريق شدائد كادت تودي به ، ولمّا أتى بعلبك لم يجد فيها ما يتناسب مع كرامته ، فتفاقم الخطب عليه .
يفهم ذلك من لاميّته العصماء وهي تربو على مائة بيت شكا فيها ضرّه ومحنته في تشريده ، متذمّرا من سوء حاله في بعلبك ، ومتشوّقا إلى أهليه ، وممّا جاء فيها مخاطبا لهم :
سقى اللّه مغناكم وجاد بلادكم * من الغيث محلول النطاق هطول
فيصبح في جيد الرياض وسوقها * قلائد من دمع الحيا وحجول
وإن بخل الوسميّ عنكم بمائه * فجفني لكم بالغاديات كفيل
هامش
( 1 ) امتدّت سيطرة هذا الغاشم على جبل عامل من سنة 1195 إلى سنة 1219 ، وفيها كان هلاكه ، وأرّخ وفاته معاصره الشيخ مصطفى الرومي بقوله :هلك الجزّار ولا عجب * ومضى بالخزي وبالإثم
وبميتته الباري عنّا * أرّخ قد كفّ يد الظلموالحمد للّه قاصم الجبّارين . فمدّة ولايته على جبل عامل أربع وعشرون سنة ، سار فيها سيرة فرعون في بني إسرائيل ، واشتدّت وطأته في ثلاث عاصفات ، عاصفة فتح البلاد عنوة بعد قتل ناصيف ، وعاصفة الانتقام من حمزة والثائرين معه يوم وقعة شحور ، وعاصفة ممالأة الناس لنابليون بونابرت بعد انسحابه من عكّا ، وما ربّك بغافل عمّا يعمل الظالمون .
( 2 ) وهو جدّ آل صادق الأعلام المشهورين .