يواكب مقتضيات الزمان والمكان ؛ انّ كلاما مثل هذا أشبه ما يكون بالشعر منه إلى التفكير الفلسفي . فالزمان والمكان لم يتغيّرا بما يوجب تغيير قوانين الاجتماع الانساني : فالليل والنهار يدوران - في حياة البشر - بعينهما منذ آلاف السنين ، والأرض والهواء لا زالت هي هي كما كانت منذ آلاف السنين أيضا .
انّ ما طرأ عليه التغيير حقا هو طراز حياة الانسان وذلك بفعل التقدم المطّرد ، بحيث اخذت حاجات الانسان ورغباته تزداد يوما بعد آخر أو يطرأ عليها التغيير .
انّ ازدياد طاقة الفعل الانساني بشكل مذهل هو الذي جعل أبسط الناس اليوم يجرؤ على أن يتمنّى ما لم يكن يمر بخيال ملوك الأمس من أنواع المسرات ووسائلها .
وهذا التحوّل الفكري في المجتمع مشابه للتحوّل الفكري الذي يمرّ به الفرد الانساني الواحد تبعا لاختلاف أطواره الحياتية . فالانسان حين يكون خالي الوفاض من أية بضاعة تذكر لا يفكر سوى باشباع بطنه وينسى كلّ ما عدا ذلك .
بيد انّه حين يشبع يبدأ يفكّر بملبسه وحين يتأمن له الملبس يفكر بالبيت وبناء الأسرة ، وبعد الأسرة بالأولاد ، وبعد الأولاد يبدأ بالتفكير في توفير دواعي السعة في المعيشة وأسباب الثروة والمال وكلّ ما له صلة بتأمين الوجاهة والتوفر على اللذائذ والمسرّات المتنوعة .
على هذا المنوال تسعى القوانين الاجتماعية المعاصرة إلى تأمين متطلبات أكثرية أبناء المجتمع واهمال حاجات الأقلية ورغباتها حتى لو كانت - حاجاتها - متطابقة مع المصلحة الواقعية للمجتمع .
عند هذه النقطة بالذات تفترق طريقة التفكير الاسلامي عن هذه المناهج ، فالاسلام في تشريعاته ينظر إلى الانسان الطبيعي ( أو ينظر بحسب الاصطلاح
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 509
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥٠٩