وفي الواقع كان ظهور النقد هو الوسيلة الوحيدة التي تتحدّد من خلالها قيمة الأشياء وأثمانها بحيث تنحل مشاكل المعاوضة .
لقد بادر الانسان إلى اعتماد أشياء نادرة كالذهب لتكون الأساس الذي تقاس عليه قيمة الأشياء الأخرى ، وبقية أنواع الأمتعة والسلع ، وذلك من قبيل وضع الأوزان للمكيل .
وهكذا أضحى الذهب كالواحد التام من النوع ، مقياسا لبقية أفراده ، وأخذ الواحد من النقد ( القطعة ) يقدّر بالقيمة العامة ، ثم تقوّم به الأشياء والأمتعة فيتعين ثمن كل متاع بالنسبة إليه ( النقد ) كما تتحدد نسبة الواحد من النقد إلى الذهب .
هذا هو الأساس الذي اخترع في ضوئه النقد لأول مرة ، ثم توسعت العملية لتشمل أنواعا أخرى من النقود الفضية والنحاسية والبرونزية والورقية وأمثال ذلك مما تفصّله الكتب الاقتصادية .
إثر ذلك افتتح باب الكسب والتجارة بعد شيوع البيع والشراء ، حتى اختصت فئة من الناس بالمعاوضة واخذت تكسب الأرباح من خلال مبادلة أنواع المتاع .
لقد طوى الانسان رحلته لتأمين حاجاته الحياتية إلى أن استقر الشوط على النقود التي حلت بديلا عن جميع الأمتعة والحاجات ، لكون من يمتلك النقود يستطيع ان يوفر كل ما يحتاج إليه ويبلغ لذائذ الحياة .
نخلص مما مرّ : انّ أصل المعاملة والمعارضة استقر على تبديل متاع بمتاع آخر اما لمسيس حاجة الانسان إليه كما في أصل المعاوضة . أو لمسيس حاجته إلى الربح المترتب عليه ، والذي هو زيادة تلحق المستبدل من حيث القيمة .
وبذلك أضحت المغايرة - اختلاف الجنسين اللذين تدور حولهما المعاملة - هي الأصل الذي تعتمد عليه حياة المجتمع .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 403
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٤٠٣