يعجز الانسان الفرد عن الاضطلاع بجميع شؤونها واعمالها . ومن هنا تنبثق حاجته إلى الاجتماع التعاوني والتعاون الاجتماعي مع الآخرين . ان احساس الانسان بالنقص والحاجة يدفعانه إلى أن ينفع الآخرين بما يحققه من منافع وآثار عمله ، ليستفيد في الوقت نفسه من منافع أعمال الآخرين وما يعجز عن انجازه بنفسه .
وبذلك استقر أمر الاجتماع الانساني على أن يعمل كل انسان في مجال واحد أو مجالات معدودة من أبواب العمل ليملك بذلك أشياء . ثم يأخذ حاجته مما ملك ؛ ثم يدفع بالفائض عن حاجته إلى الآخرين كي ينتفعوا به ، ليعوّض به من عمل الآخرين ومنافع أعمالهم ، ما يسد المتبقي من حاجاته التي عجز عن الاضطلاع بها بمفرده .
هذا هو الأساس والجذر الأصلي الذي قامت عليه المعاملة . فالمعاملة قامت على أساس المعاوضة التي نهضت من جهة على أساس الحاجة الاجتماعية ، ودفعت من جهة ثانية لولادة أصل التعاون الاجتماعي .
بيد انّ الحقيقة التي يجب ان ننتبه إليها هنا : هي التباين بين الأموال والأمتعة ، فثمار أعمال الناس لا تتساوى بينها ؛ بل هي تختلف من حيث النوع ، وتتفاوت شدّة الحاجة إليها ، مضافا إلى تدخّل عامل الوفرة والندرة فيها .
انّ حصيلة أنواع هذا التباين أوقعت مبدأ المعاوضة في المعاملات بمشكلة ، بحيث التجأ الانسان لتجاوزها إلى اعتماد مبدأ القيمة . بيد انّ تحديد قيمة أي شيء يحتاج إلى مقياس تقاس به قيمة الأشياء . في هذه اللحظة وكحل لهذه المشكلة ظهر دور النقد ، حيث اخترع الانسان النقود كي تكون معيارا تقاس به قيمة الأشياء .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 402
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٤٠٢