حين تقوم الأخلاق على مثل هذه القاعدة العقيدية الصلبة لا يبقى أمام الانسان إلّا ان يراقب في أعماله رضا اللّه بحيث تحرسه تقواه عن ارتكاب الحرام . اما إذا قامت الاخلاق على غير هذا الأساس العقيدي فلن يكون أمام الانسان من هدف سوى ان ينتفع من لذائذ الدنيا العابرة ، ولن يكون - لمنافعه - حدّ يرضخ إليه ولا يتخطاه ؛ الّا الحدود التي تضمن بقاء المجتمع ككل ، ولن يقف الّا بما يعود إليه بثناء الآخرين ومدحهم بحيث يكون له الذكر الحسن بعد موته ، حتى يكتب اسمه على صفحات التأريخ الذهبية .
ولكن مدح الناس وثناءهم لا يطال الّا الأمور والأعمال التي عرفوها عن الانسان علنا وجهرا ، لذلك لا يصلح ان يكون باعثا لكي يقدم الانسان على الاعمال الحسنة ويترك الأعمال السيئة في حالات السرّ والخفاء .
أما ما يقال عن الأعمال التي تخلد اسم الانسان بعد موته وتبعث على اللذة - وهذه ترتبط في الغالب بما يبذله من تضحية للوطن وبذل وعطاء للنظام - فهي لا تنطوي بالنسبة لمن لا يؤمن بالحياة بعد الموت ، سوى على عقيدة وهمية خرافية سرعان ما تذوي وتزول بانتباهة يسيرة . فأولا ، كيف يلتذ الانسان بعد موته ، وقد حل به الفناء ، بمدح يأتيه من الناس أو ثناء يلحقه منهم ؟ وثانيا ، أيّ عاقل مستعدّ للتضحية بحياته وسعادته في سبيل ان يدخل البهجة على الآخرين ، ومن دون ان يحصد أدنى فائدة ونفع لنفسه ؟
وهكذا نستنتج انّ مثل هذه الأمور - البواعث - ليس لها قيمة إزاء باعث التوحيد والايمان باللّه ، وهي في الوقت نفسه لا تستطيع ان تردع عن ارتكاب الذنب أو تحول دون التخلّف عن القوانين والأنظمة .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 388
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٨٨