تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
المتقدمة بحيث نحسب انّ القوانين والضوابط هي التي أثمرت استقرار العدالة . والسبب في ذلك ان طراز تفكير تلك الأمم يختلف عن طراز تفكير الآخرين ، فأولئك يفكرون بطريقة اجتماعية ، بحيث يعتبرون انّ الخير والشر الفردي الذي يصيبهم معيار للخير والشر الاجتماعي . بيد ان هؤلاء أنفسهم لا يتوانون عن استغلال الأمم الضعيفة واستعمار البلاد المتخلفة ، وفي الوقت الذي يتظاهرون بالعدل تراهم ينزلون بالأمم التي تحت سيطرتهم ما كان ينزله العتاة والجبارون الماضون بالأفراد . وإذا كان ثمة فارق بين الماضي والحاضر ، فانّ المتظاهرين بالعدل راهنا يسومون المجتمعات ظلما بعد ان كان ينزل سابقا بالافراد . بالإضافة إلى ما أصاب الألفاظ من تغيّر فاحش في معانيها بحيث أخذت تطلق على اضدادها ، إذ أضحت مصطلحات الحرية والشرف والعدالة والفضيلة ، تطلق على أشياء وممارسات هي في واقعها مصداق للعبودية والذل والظلم والرذيلة . وما نخلص لتأكيده هو هذه الجدلية بين القانون والاخلاق والعقيدة . فالقوانين والضوابط لا تملك عادة ما يضمن لها عدم التخلف الّا إذا استندت إلى قاعدة الأخلاق الانسانية الفاضلة . والاخلاق لا يمكن أن تحقق سعادة الانسان وتدفعه للنهوض بالأعمال اللائقة الّا إذا استندت إلى التوحيد . فالتوحيد يوفر اعتقادا للانسان بانّه والعالم الذي يعيش فيه لهما خالق واحد كان منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد ؛ لا يعزب عن علمه ولا يخفى عنه شيء ؛ قدرته مبسوطة وظاهرة على كلّ شيء ؛ وهو ( سبحانه ) خلق الأشياء على أحسن شكل وأفضل نظام دون حاجة منه إليها ، وأخيرا سيكون المنتهى إليه ، حيث يرجع إليه الجميع فيجازي المحسن ويكون في نعمة دائمة أبدية ويعاقب المسئ فيكون في عذاب دائم مخلّد .