للدولة وطبيعة قدراتها وميزان القوى الذي تتمتع به قياسا إلى الدول الأخرى .
في مثل هذا الجو من البديهي ان يتعلق مصير المعاهدات على تعادل القوى بين الطرفين ، حتى إذا ما كان أحد الطرفين أقوى من الآخر ، فإنه سيميل إلى خرق المعاهدة وعدم الالتزام بها ، بذرائع مصطنعة وتهم لا نصيب لها من الصحة .
أما لما ذا تلجأ الدولة القوية في نقضها لمعاهداتها مع الدولة الضعيفة إلى اصطناع الذرائع والمسوغات ، فذلك يعود إلى حرص يهدف أساسا للحفاظ على الظاهر العام للقوانين والمواثيق العالمية ، لما في نقض هذا الظاهر من عوائد سلبية تؤثر على حياة المجتمع أو تعود بالخطر على بعض مصالحه الحياتية . وفي خلاف ذلك كانت هذه الدول ستبادر إلى النقض الصريح من دون ان تلجأ إلى عذر أو مسوّغ .
من جهة ثانية يكون التوسل بالكذب والخيانة ، والتجاوز على الآخرين ، أمورا عادية في كسب المنافع المادية وتحقيق المصالح ، وذلك لعدم وجود الرادع الأخلاقي القائم على أساس القول باصالة الأخلاق والقيم المعنوية ، بل لا تعدو هذه الأخيرة - الاخلاق والقيم المعنوية - أن تكون محض وسائل يلجأ إليها لتحقيق ما يبغيه المجتمع من استثمار أفضل للحياة المادية .
انّ التأمل بالمسار العام للتأريخ العالمي ، وبالذات الحوادث التي شهدها العالم خلال القرن الأخير يزودنا بشواهد ناطقة حيّة لما ذكرنا من قيمة المعاهدات والمواثيق - في الحياة الدولية - ولبواعث النقض التي أشرنا إليها .
اما حين نأتي إلى الاسلام فسنجد أنّ رؤيته لا تعتبر الحياة المادية هي الحياة الحقيقية للانسان ، وفي الوقت نفسه لا تنظر إلى تحقق مزايا تلك الحياة ( المادية ) عنوانا للسعادة الواقعية .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 390
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٩٠