أحد ( ومثل هذه الجرائم التي لا يطلع عليها أحد ليس قليلا ) فلن يكون ثمة ما يحول دون ارتكاب الجريمة بعد أن أضحى المجرم قادرا على الانفلات من الجزاء من زاوية عدم إحاطة القوة التنفيذية بجرمه وعدم معرفتها به .
ويمكن ان نتصوّر أيضا شيوع التخلف عن القانون وظهور حالات التعدّي على حقوق الآخرين في الوقت الذي لا يكون فيه للحكومة عناصر تنفيذية كافية للتصدّي للمتخلفين عن القانون ومجازاتهم ، أو حين تميل إلى الضعف أو اظهار الميوعة في تنفيذ القوانين . فالانسان حينئذ سيتحرك لجلب المنافع إلى نفسه حتى لو كان في ذلك ضرر على الآخرين ، لانّه ميّال - كما أشرنا لذلك مرارا - لتحصيل النفع وتسخير جميع الموجودات واستخدامها لما ينفعه .
انّ البلاء الكبير يمثل في تمركز جميع القدرات في السلطة التنفيذية ومن يمسك زمام أمرها ، بحيث انّ الاتكاء لهذه القوة المتمركزة الهائلة ينتهي في نهاية المطاف إلى النظر لسائر الناس نظرة تتسم بالاستضعاف ، بحيث لن تبقى ثمة قوة بمقدورها ان تعدّل إرادة السلطة التنفيذية ومن يمسك بزمامها ، مما يحوّل إرادة هذه السلطة والقيّمين عليها إلى إرادة مطلقة حاكمة على الجميع .
التأريخ ملئ بنماذج لهؤلاء الطغاة الجبارين الذين أخضعوا الناس لإرادتهم المطلقة دون حق ، وأشادوا وجودهم على أساس البطش والظلم ، ولا زال المسرح الانساني يزخر بأمثلة كثيرة لهؤلاء الطغاة .
نخلص مما مرّ انّ القوانين والضوابط مهما اتسمت بالعدالة ، ومهما كان من ورائها من نظم جزائية متشدّدة ، فإنها لا تستطيع ان تحول دون التخلف عن القانون وارتكاب الجريمة ، إذا لم تعضد بسند من الأخلاق الانسانية الفاضلة تحميها وتشدّ من أزرها .
ويجب ان لا تخدعنا في هذا المقام النظم والعدالة السائدة في بعض الأمم
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 386
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٨٦