تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
على نحو النظر إليهم باستقلال . وانّ الامر بالنسبة لأهل الكتاب والمشركين ليس كما ذكروا في المقدمة الثالثة من حججهم بل استحق هؤلاء الشرك والكفر بسبب اتخاذهم معبودا غير اللّه ، ليس من جهة الشفاعة وانما من جهة العبادة التي كانوا يؤدونها ولا يزالون وفق مراسم وطقوس خاصة . انّ أصول الفطرة الانسانية تحكم ان اتخاذ الوسيلة والواسطة لا يعدّ نوعا من الشرك ، لانّ الوسيلة ليس لها من غرض سوى ان تبلغ بالانسان إلى مقصده ، والطريق هو غير المقصد والمنزل . فالذي يتوسط لفقير لدى غنيّ ويستحصل له مبلغا من المال يدفعه إليه ، لا يعدّ في عرف العقلاء شريكا للغني في اعطاء المال ، بل هو واسطة وشفيع . فالشفيع هو دائما ينضم إلى المحتاج وصاحب الحاجة ولا يكون شريكا في ايجاد الحاجة وتوفيرها . رابعا : أما قولهم في المقدمة الرابعة من حججهم انّ علم الغيب هو من مختصات اللّه ( سبحانه ) لا يشترك فيه معه أحد ، وانّ الأنبياء والأولياء تنقطع صلتهم بعد موتهم بالحياة الدنيا فلا يعرفون عنها شيئا ، أو تكون نسبة الدنيا إلى الآخرة كنسبة الغيب بالنسبة إليهم ؛ فهو على خلاف ما عليه نصّ القرآن الكريم في قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
« 1 » . ففي الآية ينسب تعالى الغيب إلى نفسه وينفيه عن الآخرين مستثنيا الرسول من ذلك ، من دون قيد يخصصه بالدنيا أو بغير الدنيا . ومعنى ذلك انّ رسول اللّه يمكن ان يطّلع على الغيب في حياته وبعد مماته بإرادة اللّه وتعليمه . والذي يؤيد ذلك ، اننا نجد في جوار كلّ آية تنفي الغيب عن
هامش
( 1 ) الجن : 26 .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 364 | السيد محمدحسين الطباطبائي / جواد علي كسار