اجل ! ما حصل لعرب الجاهلية هو خروج على بعض أصول عبادة الأصنام ، إذ كان هؤلاء يتجهون بالعبادة أحيانا إلى اللّه ( سبحانه ) ، كما كان يحصل بالنسبة للحج الذي كان سائدا بينهم منذ عهد إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) .
فبعد أن أشاع عمرو بن يحيى عبادة الأصنام في الحجاز وأضحى الجميع عبدة للأصنام ، ظل العرب يؤدون الحج إلى جوار ذلك ، دون ان ينسوا بالطبع - وهم يحجون - ان يزوروا أصنامهم أمثال هبل - في أعلى الكعبة - وأساف ونائلة - عند الصفا والمروة - ويقدموا القرابين .
وهذا العمل الجاهلي لا يختص بعرب الجاهلية وحدهم ، بل هو مما يسود بين السواد العام من عبدة الأصنام ، إذ بدلا من أن ينظر هؤلاء إلى الأصنام - بحسب مذهبهم - كمظهر وتجلّ لربّ الصنم - وليكن مثلا ملكا - ويعبدوه نراهم ينكبون على الأصنام نفسها التي صنعوها بأيديهم ويتناسون من وراءها . وهذه كما قلنا لا تقتصر على عرب الجاهلية بل هي مما يسود بين اللفيف العام من عبدة الأصنام ممّن يجهل أصول مذهبه ، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم فيما يحكيه على لسان إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) في قوله تعالى :
أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
« 1 » .
يتضح من محصلة ما مرّ انّ أصول عبادة الأصنام لا تفضي إلى النظر إلى اللّه ( سبحانه ) بأنه المدبّر لعالم الوجود والمعبود الذي يتوجه إليه بالعبادة ، وذلك خلافا لما ذهبت إليه المقدمة الثالثة التي أشرنا إليها في صدر البحث من حجج القوم .
وما ينسب من إناطة الشفاعة بالمخلوقات الأخرى ، كإناطة الشفاعة بالملائكة مثلا ، فالمقصود منه الشفاعة التي ترتبط بالأمور الحياتية الدنيوية ،
هامش
( 1 ) الصافات : 35 .