وجود العلة الأخيرة التي تملك التأثير المستقل على ما دونها .
والقرآن الكريم يصدق ما تحكم به بداهة العقل ، فهو يصدق قانون العلية العام ويسند الأفعال الطبيعية إلى موضوعاتها وفواعلها الطبيعية ، وينسب إلى الانسان أفعاله الاختيارية ، ثم ينسب الجميع إلى اللّه ( سبحانه ) من غير استثناء ودون تناقض بين الاثنين .
الآيات الدالة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » ، وقوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
« 2 » ، وقوله تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها
« 3 » ونظائر ذلك .
ثانيا : فيما يتعلق بالمقدمة الثانية التي جعلت الدعاء والطلب ضربا من العبادة ، فقد اتضح من النقطة الأولى التي عرضنا لها قبل قليل انّ الدعاء وطلب الحاجة من غير اللّه يمكن تصوّره على نحوين ؛ الأول : ان تطلب الحاجة بدعوى استقلال - الواسطة أو الطرف - في التأثير وامتلاكه للقدرة الذاتية التي تؤهله لقضاء الحاجة . الثاني : ان يتوجه الطلب إلى الغير ، ويكون هذا الغير مجرد واسطة دون ان يرتفع إلى مقام الشريك مع ذي الواسطة .
مع هذا التوضيح يكون قوله تعالى :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
ناهيا عن الدعاء والطلب المقارن لاعتقاد الاستقلال في التأثير ، لا مطلق الدعاء وطلب الحاجة ، حتى من الواسطة والوسيلة التي يكون فعلها وأثرها هو بعينه فعل وأثر صاحب الواسطة .
هامش
( 1 ) الأنفال : 17 .
( 2 ) التوبة : 17 .
( 3 ) التوبة : 55 .