جاء به النبي الأكرم لا ينطوي على الالزام بل هو مجرد مجموعة من المقترحات ، الانسان حر في أن يقبلها أو يرفضها وفق ما يقود إليه تكامله العقلي المفترض ، وعلى طبق المعايير التي يراها متسقة مع ما يضمن مصالحه الحياتية في الكيفية التي يختارها لذلك !
وهذه الفرضية تتطابق في الواقع مع روح المدنية الديمقراطية التي تنتخب الاحكام وتسنّ القوانين والضوابط وفق رأي الأكثرية .
بيد انّ هذه الفرضية تصطدم هي الأخرى مع ما عليه سيرة النبي الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) حيث لم نجده يضع أحكام اللّه وتعاليم السماء بعد نزولها على محكّ الشورى والاختيار الاجتماعي ، فيكون المجتمع حرا في أن يصلّي ويصوم ويحج ويدفع الزكاة وينهض بالجهاد أو ان يهمل هذه الأحكام ولا ينهض بأدائها أصلا .
انّ السيرة النبوية لم تدلّنا في أبسط مؤشر من مؤشراتها على انّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أخضع تطبيق أحكام اللّه بعد تشريعها إلى رأي الأكثرية ورضاها ، بل أضحت أحكامها ملزمة وتكاليفها واجبة منذ لحظة نزولها .
أما نطاق الشورى في السلوك النبوي فمجاله كيفية امتثال التكليف الإلهي في الأمور الاجتماعية دون ان تتعلق بأصل التكليف . ففي غزوة أحد شاور النبي أصحابه في كيفية الدفاع عن المدينة وفيما إذا كان الأصلح ان تتم المواجهة مع المشركين في المدينة أو في خارجها .
ومن الواضح ان ثمة فرقا في أن يكون متعلق الشورى كيفية امتثال التكليف - في نطاق بعض المسائل - وبين ان يتعلق بأصل التكليف الشرعي نفسه .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 346
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٤٦