البعثة يتسم بالضعف العقلي والادراكي بحيث كان بحاجة في حياته إلى الهداية المستمدة مما وراء العقل ( الغيب ، الوحي ، السماء ، النبوة ) بيد انّه مع النبوة الخاتمة ( القرن الميلادي السابع ) أصبح امام تراكم حضاري ديني بلغ به درجة النضج العقلي من ناحية وجعله مستغنيا عن الوحي والنبوة من ناحية ثانية .
فعلى الخط الحضاري شهد الانسان حضارات اليونان والروم وعاصر ولادة الحضارة الاسلامية . وعلى الخط الديني نزلت إلى البشر الكتب السماوية من توراة وإنجيل وقرآن فتشبع الانسان بهدي الوحي والتربية ما فوق البشرية وبلغ مرتبة من الرشد العقلي يستغني بها عن النبوة والوحي . وهكذا أصبح بمقدور الانسانية ان تواصل مسارها الحياتي بالاعتماد على ذاتها وقدراتها العقلية والادراكية معلنة بذلك انتهاء عصر الوحي في مقابل بداية عصر العقل .
هذه المقدمات هي التي أفضت إلى النتائج المشار إليها قبل قليل . ولكنا لا نستطيع التسليم بها وانما نراها خاضعة للنقض والنقاش من الجهات التالية :
أولا : كما اننا لا نستطيع ان نشك بانّ الانسان يتحرك على الصعيد الفردي والاجتماعي في اطار مسيرة التكامل ، فإننا لا نستطيع ان نشك أيضا بانّ هذا الانسان محدود من الوجهة الواقعية وانّ مساره التكاملي لا يمكن ان يكون امرا غير متناه من الوجهتين الكمية والكيفية .
فالتكامل مهما بلغ من السعة والتفصيل لا يمكن ان نفترضه لا متناهيا ، بل لا بدّ له ان يتوقف حين يبلغ مداه ونهايته .
وفي المحصلة الأخيرة لا بدّ ان نصل في المرحلة التي يبلغ فيها التكامل نهايته ومداه إلى منهج حياتي ثابت ومنظومة مستقرة غير متغيّرة تحكم حياة الانسان .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 343
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٤٣