تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
للعادة التي تنكرها وتأبى الاذعان إليها ، الّا انها من جهة ثانية ليست من طراز الأمور التي تدخل في صنف « المستحيلة بالذات » بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل نظائر قولنا : الايجاب والسلب يجتمعان معا ويرتفعان معا من كل جهة . وقولنا : الشيء يمكن ان يسلب عن نفسه ؛ أو قولنا : الواحد ليس نصف الاثنين ، وأمثال ذلك من الأمور الممتنعة بالذات . فإذا كانت المعجزة من هذا القبيل وكانت محالة وممتنعة بالذات لم يقبلها عقل ولم يذعن لها عاقل ولما استدل بها الانسان على شيء أو نسبها إلى أحد ، في حين نجد انّ عددا كبيرا من أهل الملل والأديان أذعنوا للمعجزة في كل الأعصار وقبلوها وآمنوا بها وارتضوها من دون انكار . على انّ أصل المعجزات ليس هو مما تنكره عادة الطبيعة ، فنظام المادة يشهد كلّ حين تبدّل الحي إلى ميت ، والميت إلى الحي ، وتحويل صورة إلى صورة ، وحادثة إلى حادثة أخرى ، ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء وهكذا . والفرق بين صنع العادة وما تفعله المعجزة الخارقة هو انّ الأسباب المادية التي نعرفها ونعيها انما تترك أثرها بالتدريج وعبر علاقات وروابط خاصة وشرائط زمانية ومكانية تفضي بالتدريج إلى احراز تأثيراتها . فالعصا مثلا يمكن ان تصير حيّة تسعى ، والجسد البالي يمكن ان يصير انسانا حيا ، بيد انّ ذلك لا يتحقق فعلا في اطار نظام المادة الّا بعلل خاصة وشرائط مكانية وزمانية معينة تنتقل بواسطتها المادة من حالة إلى أخرى وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر في نطاق الصورة الأخيرة المفترضة التي تتسق مع منطق المشاهدة والتجربة ، لا مع أي شرط كان أو من غير علة .