فما كان من بقايا وعي ذهب ادراج الرياح ، بعد ان استطاعت حالة الاستلاب الأوروبية ان تفقدنا آخر مظاهر التمسك بالإرادة الذاتية .
وهكذا أصبحنا ولم يعد أمامنا مثال يحتذى في الحياة سوى الانسان الغربي ونموذجه الحياتي ، ولم نعد نفقه من حياتنا وأهدافنا في السعادة الّا ما عليه الحال في أوروبا وما ترفعه من أهداف في السعادة المادية .
وحين ندير وجوهنا باتجاه آخر نجد انّ كلمة الحكام وقادة المجتمع ومثقفيه اجتمعت في الموقف من الدين ودوره ، على تأييد الموقف الأوروبي .
هؤلاء يقولون : طالما لم يعد المجتمع المتمدن الراقي - ويعنون به المجتمع الأوروبي - يتعايش مع الدين أو يعترف بدور له في المعاش ، فعلينا إذا ان نكيّف حياتنا على طبق هذا النهج كي نواكب تيار المعاصرة !
لقد قالوا هذا الكلام وغيره مما يماثله بتأثير حالة الاستلاب امام أوروبا والغرب .
بيد انّ الأنكى من ذلك ان الاستلاب وفقدان التوازن بلغا بنا شأوا عظيما من الانحدار إذ أصبحنا نكوّن صورتنا إزاء حقائق اسلامنا ونفسّر وقائع تأريخنا من خلال ما تقوله أوروبا في هذا المجال .
فوعينا لمعنى الدين ولمعنى الاسلام ، وفهمنا لمكونات اسلامنا ؛ وما تمثله احكامه ونظمه من تأثير في سعادتنا الحياتية ، كلها مسائل علينا ان نستفتي بها الأوروبيين ونشكل وعينا فيها طبقا لآرائهم وتفسيرهم ؟
وهكذا آل وعينا في قضية الدين إلى ما نضح به الفكر الأوروبي ، من انّه لا يعدو ان يكون مجرد سلسلة من الطقوس التي لا يتعدى دورها في حياة الانسان
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 301
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠١