على أثر ذلك انكفأت المسيرة على الأعقاب ، فتحوّل الكيان الاسلامي خلال برهة زمنية قصيرة من منهج اسلامي حرّ وواضح ، إلى منهج امبراطوري قيصري وكسروي مظلم يشيع الاستبداد والظلم بحيث تحوّل المجتمع الاسلامي في اطاره إلى مجتمع يرسف بالأغلال والقيود .
لقد انتهج أولئك السادة ( ! ! ) تدبيرا ذكيا إذ عمدوا إلى إعادة بناء الوعي الاجتماعي من خلال تفريغه من الفكر القائم على أساس الواقعية والحقيقة ، واستبداله بفكر سطحي واه . وقد كان رائدهم في ذلك هو جماعة من الانتهازيين الماديين الذين اضطلعوا بتنفيذ أهداف ( السلطان ) فشغلوا المجتمع بالتوافه وو أدوا الهمم الرفيعة السامية وحالوا بين المجتمع وبين مسار نهضته نحو التقدم والتكامل .
كانت أول آثار هذا النهج ان استبدت روح العبودية في المجتمع بدلا من روح الحرية التي أرادها الاسلام للمسلمين ، فأضحت الحياة ذلا وعبودية وفسّر الاسلام بأنّه مجرد قدرة تفرض الهيمنة والتحكّم في اطار الحكّام الذين مارسوا السلطة على الرقاب من خلال شعار انهم ظل اللّه في الأرض ( ! ) أضحت العدالة والأمن في المجتمع الديني لا يجدان معناهما الّا في نهج قهر الانسان واستبداد السلطة التي دأبت على قمع الرأي الآخر واسكاته بذريعة مخالفته للسلطان !
أما حقائق الثقافة القرآنية ودروسها فلم تتعد - في اطار ذلك الانحراف - مرحلة الاهتمام بالألفاظ والحروف والنكات الأدبية فضلا عن سلسلة من البحوث التي تنضح بروح التعصب المذهبي المقيت .
أما إذا تجرأ باحث أو مجموعة من الباحثين على تجاوز هذا النطاق الضيق للبحث القرآني فلن يجد في انتظاره سوى القتل والسيف ، أو أن يتجرع غصص
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 299
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٩٩