ولكن ما نرفضه أن تكون ثمة علاقة بين هذين الأصلين وبين الآيات الثلاث ، بحيث تكون الآيات دالة عليهما كما زعموا .
فخلاصة ما تدل عليه الآية الأولى انّ الحق ثابت وباق وانّ الباطل زائل لا يبقى ، دون ان يكون ثمة ما يشير إلى وجود صلة لذلك بتنازع البقاء . أي انّ ثبات الحق وبقاءه واضمحلال الباطل وزواله هي حقيقة تشير إليها الآية سواء كان هناك تنازع بقاء أو لم يكن .
والذي عليه محتوى الآية في المثال الذي تضربه فعلا ، هو عدم الإشارة أصلا إلى أي نوع من أنواع تنازع البقاء ، بل المثال دال على بقاء الحق واضمحلال الباطل وحسب .
أما الآيتان الثانية والثالثة فهما وان تحدّثا فعلا عن صراع بين أنصار الحق وأهل الباطل وانتصار الحق ، الّا انّ هذا الانتصار ليس فيه دلالة على نظرية انتخاب الأصلح ، لانّ مقتضى هذه النظرية أن يتمّ انتصار أنصار الحق من خلال ما جهّزوا به من قوى طبيعية ، وهذا ما لم تشر إليه الآيتان ، وانما اكدتا انّ التأييد والنصر الإلهي كانا هما سرّ الانتصار ، بل والأكثر من ذلك نجد انّ الآية الثانية تحدثت عن الضعف المادي لأنصار الحق .
يتضح مما تقدم انّ مفاد الآيات لا صلة له بأصلي تنازع البقاء وانتخاب الأصلح .
وما نعتقده نحن انّ الأساس الذي يقوم عليه الاجتماع الانساني يتمثل بأصل « الاستخدام أو التسخير » .
فالانسان يميل فطريا وينزع طبيعيا للاستفادة من قوى الآخرين وتسخيرها
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 296
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٩٦