لمنفعته ، بيد انّ ما من انسان على استعداد لأن يمنح الآخرين مجانا دون ان يوفر لنفسه شيئا في مقابل ما يبذله ، من طاقة وجهد . لذلك دأب كل انسان على أن يهب الآخرين شيئا من قواه وطاقاته كي يشاركهم في قواهم ويستفيد من طاقاتهم .
وبهذه الكيفية يفضي أصل « الاستخدام » والتسخير المتبادل إلى تشكيل « المجتمع التعاوني » .
فالمصالح الدائمة المودعة في قوى الانسان تعمل باستمرار على ايجاد الترابط بين افراد المجتمع ، وتكون في الوقت نفسه الضامن لحفظ المجتمع ورقيه وسيره نحو التكامل من خلال توظيف أصل الاستخدام والتسخير المتبادل الذي يعبّر عن نزعة غريزية أصيلة .
وفي المقابل فانّ كلّ ما لا يتسق مع هذا الأساس الغريزي سيكون موجبا لتقويض البنيان الاجتماعي وهدّ أساسه الطبيعي ، أو يكون فسادا في الأرض على حدّ التعبير القرآني .
فالقرآن يتحدث صراحة انّ أساس روح المجتمع التعاوني الذي يستلزم حفظ الأكثرية وبقاء الاجتماع الانساني واستمرار الروح التعاونية فيه يكمن في قوله تعالى :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
.
وفي مقابل ذلك لم يقل القرآن - في الآية الثالثة مورد البحث - انّ أساس استمرار الاجتماع الانساني ودوام بقائه تكمن في استئصال مجموعة للمجاميع الأخرى وفق قاعدة الصراع بين القوي والضعيف التي يستند إليها قانون تنازع البقاء ، بحيث تكون الحصيلة فناء الأكثرية في مقابل بقاء نوع واحد !