فكل جزء من اجزاء الكون وكل ظاهرة من ظواهره ترتبط في وجودها وفنائها بالقدرة الكلية المهيمنة على الوجود وبالإرادة الغيبية لهذه القدرة .
والانسان لا يملك ابدا طريقا لمعرفة موقف هذه القدرة فيما تنصرف إليه من موافقة أو مخالفة لوجود الظاهرة أو فنائها ، كما أن ما بين يديه من الأسباب والعوامل والقوانين لا تؤهله مطلقا للتحكم بالمسار الكوني .
ان النتيجة العملية التي تترتب على هذه المقدمات النظرية ، هو ان ينظر الانسان إلى نفسه بوصفه جزء من اجزاء الوجود ، يخضع لتأثير القوانين والعلل المتحكمة في الكون منذ القدم وحتى الآن ؛ وان لا ينجذب بشكل كامل إلى الأسباب والقوانين التي اكتشفها والتي لا تعدو أن تكون مجرد قدر ضئيل مما هو موجود .
ومعنى ذلك هو ان يذعن للّه ( سبحانه ) خالق الأسباب والعلل وموجدها وباعث القوة والقدرة فيها ، وان يرتبط به دون سواه .
بيد ان هذا الكلام لا يغني ابدا ان يعزف الانسان عن الأسباب والعلل والقوانين التي اكتشفها بقدراته الادراكية والشعورية ، وان يجلس ساكنا بانتظار الفرج الغيبي في بلوغ مقاصده ومراميه ، وذلك :
أولا : ان العامل الغيبي لا يؤثر الّا من خلال الأسباب والعلل .
ثانيا : ان ما يكتشفه الانسان من الأسباب والعوامل وما تعرّف عليه من القوانين والعلل هو جزء من الأسباب الموجودة ، وهذا الجزء لا يخلو من التأثير ، لذا فان تجاهل الانسان لهذه الأسباب التي تدخل في انتاج الاعمال التي تناسبها يعدّ بنفسه نوعا آخر من الجهل . فالانسان لا يعرف كل الأسباب ولا يحيط بمجموع العلل ، وانما يعرف جزءا منها وحسب ويجهل الباقي ، فإذا عمد إلى
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 289
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٨٩