ظاهرة من ظواهر الوجود ولأيّة حادثه من حوادث العالم عبر واحدة من الحواس . فحتى الصوت البسيط الذي نسمعه نحاول ان نفتش عن علله ونبحث عن بواعثه . وإذا أردنا ان نقوم بعمل معيّن نحيط أولا بعلل الإقدام عليه اجمالا أو تفصيلا ، وإذا حصل وأن غفلنا عن ذلك ، فإننا على الأقل نضع امام أعيننا ما ينطوي عليه من فوائد ومنافع .
وبشكل عام نقوم بممارسة الفعالية الفكرية في محاولة لتحديد علل وفوائد كل عمل نقوم به .
ان هذه الفعالية الذهنية والنشاط الفكري في البحث يطلق عليها في الاصطلاح العلمي عملية « الاستدلال » .
فالانسان إذا موجود استدلالي مدفوع لممارسة ذلك عبر ما تمليه عليه فطرته الإلهية وما ينطوي عليه تكوينه الوجودي . وبلا ريب هو يمارس الاستدلال في النظريات العلمية وفي القضايا العملية أيضا .
غاية ما هناك انّ الاحتياجات العلمية للانسان لا تعدّ ولا تحصى ، وبالتالي فهو بحاجة إلى معلومات نظرية واسعة يعجز الانسان الفرد عن الاضطلاع بها بمفرده وتهيئتها لوحده ، وبذلك لن يكون بمقدور الانسان ان يسلك منهج الاستدلال في كل الجزئيات والتفاصيل ، ولا يستطيع ان يستقلّ بقدرته الفكرية في تشخيص الحق والخير والشر في جميع هذه الجزئيات والتفاصيل .
انّ هذه الحاجة بالذات هي الحافز الذي يقود افراد النوع الانساني نحو الاجتماع المدني ، بحيث تتوزع فعاليات الحياة وتقسّم بين الجميع .
ان ادراك هذه الحقيقة يفرض على الانسان - اضطرارا - ان يقوم بإدارة بعض
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 245
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٤٥