الدين وموارد الابتلاء إلى تلك الثلة التي تتمتع بملكة الاجتهاد وتتحلى بالقدرة على الاستنباط .
يطلق على هذه العملية مصطلح « التقليد » وهو مصطلح يقابل « الاجتهاد » في دائرة الاستخدام المعاصرة .
انّ السيرة العملية النافذة بين المسلمين منذ صدر الاسلام وحتى الآن هي خير دليل على ثبوت حكم التقليد بالنسبة للجاهل بالحكم الشرعي غير القادر على استنباطه . فهذه السيرة كانت تشهد دائما على وجود مجتهدين يرجع إليهم باستمرار ، العاجز عن تحصل الحكم الشرعي من مصادره المباشرة .
ثم انّ هناك شواهد من الكتاب والسنة تؤيد حكم وجوب تقليد الجاهل وعودته إلى العالم ، كتلك التي تدعو إلى اتباع أهل العلم والمعرفة . مضافا إلى تلك الروايات التي تشجّع بعض الأصحاب وتدفعهم للاضطلاع بمسئولية الافتاء ، ونظائر ذلك مما يتعرض تلميحا أو تصريحا لمسألة التقليد .
اتضح مما تقدم المعنى العام لمصطلحي الاجتهاد والتقليد وما ينطويان عليه من جذر ديني . بيد انّ التحليل الدقيق للمسألة والبحث العميق فيها ينتهي بنا إلى انّ لموضوع الاجتهاد والتقليد أفقا أشمل وحقلا أرحب . فسلوك طريق الاجتهاد والتقليد يعدّ واحدا من القواعد الأساسية التي يشاد عليها برنامج الحياة الانسانية ، بحيث انّ كلّ انسان يكون مدفوعا بفطرته لأن يقطع مسار حياته على أساس التقليد حين يعجز عن الممارسة الذاتية للاجتهاد .
بناء على هذا يتّضح ان توجيه الاسلام للناس نحو الاجتهاد والتقليد وارشادهم إليهما يعدّ ارشادا متطابقا مع منهج الفطرة الانسانية وما تهدي إليه .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 243
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٤٣