ويكتب في مصحف واحد ، لان حربا ثانية وثالثة قد تؤدي ببقية الصحابة من حملة القرآن وحفظته مما ينتهي إلى ضياع كتاب اللّه .
لقد اقتصر هذا القرار على القرآن الكريم ولم يشمل حديث رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) الذي يلي القرآن في المرتبة والأهمية ، رغم انّه عرضة لذات الاخطار التي أحاطت بكتاب اللّه . فالحديث النبوي كان هو الآخر عرضة للزيادة والنقيصة ، والوضع والنقل بالمعنى ، والضياع والنسيان ، الّا انّ مؤسسة الخلافة لم تظهر اهتماما بصيانته وحفظه بل أعلنت منع تدوينه واخذت تحرق في النار ما تجده مكتوبا منه !
وكذا لم تتحرك الخلافة لتبذل جهودا تذكر إزاء المعارف والعلوم الأخرى حتى باتت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تمجّد العلم وتشيد به وتدعو إليه وكأنّ لا أثر عملي لها .
لقد انصرفت أكثرية المسلمين إلى الفتوحات ، وانشغلت بالغنائم المتكاثرة التي أخذت تتدفق على الجزيرة العربية من كلّ حدب وصوب . وبذلك زاغت الأمة عن الاهتمام بعلوم أهل البيت ومعارف آل الرسالة ، وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي شهد له رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بأنّه أعرف الناس بالاسلام وأعلمهم بمقاصد كتاب اللّه .
والغريب انّ مؤسسة الخلافة لم تسمح للإمام علي ( عليه السلام ) ان يساهم في مسألة جمع القرآن وتدوينه في مصحف موحد [ رغم انهم يعلمون انّ الامام انصرف للمهمة بعد قبض رسول اللّه وجلس في بيته عاكفا على جمع كتاب اللّه ] بل لم يرد له ذكر في القضية برمتها !
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 216
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢١٦