لقد وقف الامام ليعلن للأمة في اليوم الأول من خلافته معالم نهجه ، فقال ( عليه السلام ) : « الا وانّ بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . والذي بعثه بالحق لتبلبلنّ بلبلة ، ولتغربلنّ غربلة ولتساطنّ سوط القدر ، حتى يعود اسفلكم اعلاكم ، وليسبقنّ سابقون كانوا قصروا ، وليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا » .
أضاف عليه السلام : « حق وباطل ، ولكلّ أهل ، فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، ولئن قلّ الحق فلربما ولعل ، ولقلما أدبر شيء فأقبل ! » . « 1 » .
لقد استمر الامام في حكومته الثورية . وكما يحصل مع أية نهضة ثورية ، فقد تجمعت العناصر المتضرّرة التي أضحت مصالحها في خطر ، وتوارت خلف راية مزعومة للدفاع عن دم الخليفة الثالث ، والطلب بثأره ، فأثارت الحروب الداخلية الدموية التي امتدت لما يقارب تمام مدّة خلافة الإمام عليه السلام .
انّ الرؤية الشيعية تنطلق من يقين لا يخامره شك بانّ الحروب الداخلية هذه لم تكن سوى استجابة لمنافع شخصية ، وان شعار الثأر لدم الخليفة الثالث لم يكن أكثر من ذريعة انطلت خديعتها على عوام الناس .
فالفتنة الأولى التي اشتهرت باسم حرب الجمل نشبت من وراء غائلة الاختلاف الطبقي الذي أرسى بذوره منهج الخليفة الثاني في تفريق أعطيات بيت المال بين المسلمين . إذ لم يكن بمقدور الإمام علي حين مسك الخلافة الّا ان يعود بسيرة رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ونهجه في توزيع المال بالتساوي بين المسلمين وهو الامر الذي أثار حفيظة طلحة والزبير فأضمرا
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم ( 15 ) .