فإذا كانت الديمقراطية كنظرية لا تتحمل تبعات الواقع الذي يسود باسمها وهي غير مسؤولة عن بؤس الناس وتخلفهم ( في بلادنا ) فكيف يجوز ان يكون الاسلام مسؤولا وان يتحمل تبعات الواقع السلبي وهو مغيّب عن القيمومة والقيادة ؟
ثالثا : إذا كان مسار التقدم المدني وخط التطوّر الحضاري قد عزل الدور الاجتماعي للاسلام جانبا ، وان العصر الراهن لم يعد يتحمل سوى الديمقراطية منهجا سائدا لدى أكثرية البشر ، فكيف نفسّر - يا ترى - انعطاف مجموعة من الشعوب الديمقراطية ، عن هذا النهج وتوجهها نحو الشيوعية ؟
لقد شهدت البشرية بعد الحرب العالمية الأولى انعطاف عدّة شعوب نحو الشيوعية ، حتى غدت الديمقراطية تفقد في كل يوم موقعا من مواقعها ، بحيث لم تكد تمضي مدة زمنية طويلة حتى وأصبحت الشيوعية تسود نصف العالم .
فكيف يا ترى نفسّر ذلك ونوفق بين الواقع وبين الزعم انّ الديمقراطية هي خيار البشرية الراهن ؟
هل يكون ذلك من خلال النظر إلى الشيوعية كمرحلة متقدمة تلت الديمقراطية في الحلقات المتكاملة لخط التطوّر البشري على هذا الصعيد ، تماما كما كانت الديمقراطية حلقة متقدمة في خط التطوّر ، على الأنظمة التي سبقتها ؟
أم نقول انّ الديمقراطية مثّلت مرحلة تكاملية في حدّ ذاتها ؛ أم ما ذا ؟
انّ دراسة الافكار التي تثيرها هذه الأسئلة هو امر يخرج عن نطاق هذا البحث الموجز . وانما غاية ما ينتهي إليه تحليل النهج الديمقراطي السائد فعلا في نطاق أمم العالم المتمدنة ، انها خرجت من اطار الاستبداد الفردي والديكتاتورية التي
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 176
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٧٦