بمعنى انّ التوافق بين الانسان والكون وعدم اصطدام الانسان بحركة الكون يعود إلى المعارف والافكار التي زوّد بها الانسان تكوينا ، والتي ترشده من ناحية ثانية لمساره في الهداية والتكامل .
هذا المعنى يشير إليه قوله تعالى في الآية الكريمة :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 1 » .
فالآية الكريمة تشير إلى ما يلي :
أولا : طالما كانت سعادة الانسان في الحياة مرتبطة بالواقع التكويني للوجود ، فلا بدّ للنظام الذي يصلح للناس أن ينبثق من ثنايا نظام الخلقة ( الوجود ) العام ومن الحقيقة الخاصة التي ينطوي عليها تكوين الانسان .
بمعنى انّ البشرية لا يصلح لها الّا النظام الذي يتسق مع سنن الكون ونواميسه ومع فطرة الانسان وتكوينه .
ثانيا : لما كان نظام الوجود والتكوين متسما بالثبات ، كان لزاما ان يكون الدين ومنهج الحياة المستمد منه ثابتا أيضا لا يخضع للرغبات ولا يتبدّل مع الميول والأهواء . فلو اتسم النظام بالتذبذب مع الميول والرغبات فسينحرف الانسان ويميل عامدا عالما نحو الخطأ ، برغم ما تدلّ عليه فطرته ويهدي إليه تكوينه من الصواب .
يقول تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
« 2 » .
والقرآن الكريم يذكّر الانسان في آيات كثيرة ان يتبع الحق في حياته ، وان
هامش
( 1 ) الروم : 30 .
( 2 ) الجاثية : 23 .