انّ التمدن والرقي الحضاري يقوم على أساس التكامل الاجتماعي ، والمجتمع يتحرك في كافة الاتجاهات الممكنة التي تنطوي على الكمال وتقود مساره إليه .
هؤلاء يخططون لرؤيتهم التربوية على هذا الأساس .
بيد انّا نرى انّ هذا الرأي يثير العجب وهو ينطوي بنفسه على اتباع الخرافة ! فالعلوم الطبيعية تبحث فقط في خواصّ الطبيعة ، وهذه الخواص ثابتة بالنسبة لموضوعاتها .
وبعبارة أخرى ؛ ان العلوم المادية تسعى دائما لإماطة اللثام عن الخواص الداخلية المخفية في المادة ، الّا انها لا تستطيع ان تنفي ما وراء المادة وتبطل وجوده .
فالذي يعتقد بعدم وجود شيء وراء الحس والتجربة انما يعتقد بشيء لا دليل عليه ، لانّ هذا الاعتقاد بنفسه خارج عن نطاق التجربة ولم يخضع لها . وهذا من أوضح مصاديق الخرافة .
انّ تحقيق الكمال ونيل السعادة الاجتماعية يتطلب أحيانا ان يحرم بعض الاشخاص من سعادتهم الفردية ورفاههم الحياتي ، إذ يقوم هؤلاء بالتضحية وتقديم حياتهم في سبيل الدفاع عن الوطن أو القانون أو بعض الغايات النبيلة مما ينتهي بصيانة المجتمع والحفاظ على حريمه .
وفي الواقع انّ ما يفسّر إقدام هؤلاء على تقديم هذه التضحيات هو ايمانهم بأنهم يسيرون في طريق الكمال أو في اطار أصول وأهداف تمثل الكمال .
بيد انا نجد الحقيقة خلافا لذلك ؛ لما ذا ؟ لانّ هذا السلوك لا ينطوي على الكمال وانما هو عدم وحرمان ، وإذا كان كمالا فهو كمال للمجتمع وليس للفرد ،
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 136
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٦