( الادراك ) في نفس الوقت تعبير عن معنى المقولة البسيطة التي تجري على ألسنتنا باستمرار : ليس ثمة حادثة تقع دون علة .
اجل ! انّ ادراكنا نحن البشر مشبّع بالاذعان إلى علاقة السبب والمسبّب .
والامر لا يقتصر على اعتقادنا نحن وحدنا وحسب وانما يسري إلى الحيوانات ، فرغم انها تفتقر لقدرة النطق الّا ان شعورها الفطري يؤكد ايمانها بنفس العلاقة ، بحيث نجدها تسعى دائما وراء الأسباب والوسائل التي تؤمّن لها مقاصد الحياة .
فهي إذا جاعت وعطشت تهرع نحو الغذاء والماء ، وحين تشعر بالتعب تذهب إلى أماكنها التي تستريح فيها ؛ وحين يطرأ في خيالها إحساس بالحاجة إلى النسل تقترن بأزواجها ؛ وحين تحسّ بالمخاطر تداهمها تبادر للدفاع عن نفسها بالمخالب والأسنان والقرون والمناقير واللدغات السامة أو انها تتوسل بالفرار .
والمسألة لا تقتصر على الانسان ومن بعده الحيوان وحسب ، وانما تتعدّاهما إلى الموجودات الأخرى كالنباتات والجمادات المركبة والبسيطة . فرغم انّ هذه الموجودات تفتقر للادراك والشعور الّا انها تسلك نفس الطريق . فكما يندفع الحيوان لتناول طعامه حين يشعر بالجوع فكذلك تمارس النبتة النشاط نفسه في موقع الحاجة إذ تمتص الغذاء الذي تحتاج إليه بواسطة جذورها بعد ان تجذبه إليها .
وبالنسبة للجماد فهو الآخر يمارس فعالية تبرز إلى الوجود آثارا تختص به .
وفي الواقع انّ كل موجود حي يتطلع لكماله الوجودي ، لذلك تجده لا يستقر لحظة وانما يسعى منذ البداية وحتى الشوط الأخير لتحقيق تطلعاته الخاصة .
( المسألة تشبه المسار الذي يحرك الطفل الرضيع ليتحوّل عبر أشواط تكاملية إلى
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 126
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٢٦