والانسان الفطري يدرك انّ عالم الوجود يشكّل باجزائه المتناثرة وحدة كبيرة تترابط عبرها الاجزاء فيما بينها ، بحيث يكون لكل جزء تأثير متبادل وتامّ في الاجزاء الأخرى .
والعالم الانساني الذي لا يعدو ان يكون جزءا صغيرا جدا من هذا الكون الكبير وقطرة من بحره الممتدّ الواسع ، ما هو الّا ظاهرة ساهم في وجودها كلّ عالم الوجود ، فهو مخلوق لإرادة اللّه التي أوجدته وأوجدت الوجود .
ولما كان الانسان وليد عالم الوجود ويعيش حياته ويتربى في اطار الهداية الوجودية ، فانّ عالم الوجود ( أي إرادة خالق العالم ) هيّأت له ما لا حصر له ولا عدّ من العناصر التي جعلته على هذه الشاكلة .
وتلك الإرادة الخالقة هي التي جهزت الانسان بقوى وأدوات داخلية وخارجية خاصة وزودته بعواطف مختلفة وقوة عقلية تضمن له الهداية من خلال ارادته إلى مقاصد السعادة الحقيقية .
فالانسان موجود يستطيع ان يميّز بشعور وإرادة حرّة الخير عن الشر والنفع عن الضرر ، وفي النتيجة هو « فاعل مختار » . ولكن من دون ان نغفل انّ إرادة خالق الوجود كان لها الدور الكامل في أن يكون الانسان مختارا حرا من خلال ما زوّدته به من قوى داخلية وامكانات خارجية .
لذا فانّ الانسان الفطري يدرك - عبر ما أشرنا إليه من مقدمات فكرية - من خلال عقله وفكره ان سعادته الحقيقية تكمن في تلك الغاية التي شخّصها نظام الوجود - الذي أوجده وربّاه - وساقه إليها عبر أدوات الوجود . وهذا المقصد هو نفسه الغاية التي تعلّقت بها إرادة اللّه ( تعالى ) خالق الانسان والعالم ، والمنزل
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 104
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠٤