فلا أحد يسعه أن يزعم : ان كنه الانسانية قد تغيّر تدريجيا - أو يمكن ان يحلّ - محله شيئا آخر ، تماما كما لا أحد يسعه القول ؛ انّ الطبيعة الانسانية التي هي حدّ مشترك بين الأسود والأبيض والكهل والشاب ، والعالم والجاهل ، والقطبي والاستوائي من بني آدم ، المعاصر منهم ومن مضى أو سوف يأتي ، لا تلتقي على سلسلة من الاحتياجات المشتركة التي تندفع إرادة الانسان لتأمينها وتحقيقها .
انّ هذه الاحتياجات الواقعية موجودة بلا ريب ، وهي تقتضي وجود سلسلة من النظم والضوابط الثابتة التي لا صلة لها بتلك القوانين والنظم القابلة للتغيير .
فلا نجد أمة في أي عصر من العصور لا تجيز الدخول في حرب ضد عدو ثبت لها يقينا انه يهدّد حياتها بالدمار ووجودها بالزوال ، أو لا تمضي سفك الدم حين يكون القتل هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لدفع شر مثل هذا العدو وقطع دابره .
ولا تستطيع سلطة في المجتمع ان تمنع أفراده من تناول الطعام اللازم لدوام حياتهم ، أو أن تقمع الميول الجنسية .
انّ هذه - وأمثالها كثير - هي من نوع الأحكام الثابتة غير القابلة للتغيير ، وليس ثمة صلة بينها وبين الجوانب المتغيّرة - في وجود الانسان وحياته - .
نخلص من مجموع المقدمات التي مرّت إلى النتائج التالية :
1 - تعدّ الاحتياجات الحياتية العامل الأساسي في وجود المجتمع والعقود والنظم الاجتماعية .
2 - للشعوب جميعا - حتى البدائية الوحشية منها - قوانين ونظم خاصة بها .
3 - تعبّر إرادة أغلبية أفراد المجتمع عن الوسيلة السائدة في عالمنا المعاصر لتشخيص الاحتياجات الحياتية .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 101
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠١