يتساءل د . الوردي بعد عدّة صفحات : وهنا قد يعترض سائل فيقول : اين ذهب ابن سبأ في هذه المعمعة الكبرى ؟ إن من أغرب الأمور أن نجد ابن سبأ حاضرا في كلّ حادثة من حوادث الثورة على عثمان ، والحوادث التي جرت بعدها ، ثم نراه غائبا في معركة صفين ، يوم قتل عمّار بن ياسر . فلما ذا اختفى هذا الداهية الدهماء في تلك المعركة الطاحنة ، وأين اختفى ؟
إنّ المؤرخين لم يجيبوا على هذا السؤال المحيّر قليلا أو كثيرا . الواقع ان ابن سبأ لم يختف أثناء معركة صفين . فهو بالأحرى لم يكن له وجود حقيقي حتى يختفي . إنّه كان وهما ، كما ذكرنا في فصل سابق . والوهم يأتي ويذهب تبعا لمقصد أصحابه والمخترعين له .
ثم يضيف الوردي : يخيّل لي ان حكاية ابن سبأ من أوّلها إلى آخرها كانت حكاية متقنة الحبك رائعة التصوير . إن القرشيين لم يكونوا دهاة في ميدان السياسة فحسب ، فقد كانوا ماهرين في فنّ القصص أيضا .
ويبدو أن قريشا كانت في أيام عثمان تتحدّث عن عمّار بن ياسر في منتدياتها الخاصة وتشتمه سرّا ، حيث لم تكن ترى من مصلحتها اعلان شتيمته أمام الناس آنذاك .
وربما سمع أحد الرواة قريشا تلهج بذكر ابن السوداء وتشتمه ، فظنّ انها تعني شخصا آخر غير عمّار بن ياسر .
ومن يدري فلعلّ حكاية ابن سبأ نشأت في أوّل الأمر من هذا الظنّ الخاطئ ثم تراكمت حولها الأساطير بعد ذلك شيئا فشيئا . ومن غرائب التاريخ ان نرى كثيرا من الأمور التي تنسب إلى ابن سبأ موجودة في سيرة عمّار بن ياسر على وجه من
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 282
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٨٢