من الواضح ان ناقدنا يحيط دعواه بتمام حسن الظن ، وكأن هذا هو العقل الفطري غير المشوب بالفلسفة ، الذي تحدّث عنه ، في حين يدرك حتى الطفل الملمّ بأبجديات القراءة أنّ حسن الظن بالعلماء واحترام شخصيتهم الدينية شيء ، واتباع نظرياتهم العلمية وأفكارهم العقلية هو شيء آخر !
ثم إن مثل هذه المسائل لا تقبل التقليد ، بحيث اننا كلما وصلنا إلى مسألة عقلية نرفع - فورا - لواء دعوى مخالفة العلماء ، ونجعلها كقميص عثمان ، لنحرض بهذا الأسلوب أفكار عدد من السذج والبسطاء ونحفزها ضد هذا اللون من المسائل العقلية !
ومردّ ذلك ان علماء الفقه والأصول وغيرهم لا يبحثون في أصول المعارف ، وانما يمارس المتكلمون البحث فيها ، ويختلفون مع الفلسفة . ومسألة اعتراض المتكلمين على الفلسفة تنصرف في الواقع إلى غير ذوي الفنّين [ فن الكلام وفن الفلسفة ] ممن ليس لهم تأليف في الحقلين ، كما هو شأن الخواجة نصير الدين الطوسي والعلّامة الحلّي ( رحمهما اللّه ) .
والذي نخلص إليه ، ان حقيقة المعنى في اختلاف الفلاسفة مع علماء الاسلام يضيق ليعبّر عن اختلاف منهجي لعدد من علماء الاسلام ، مع عدد آخر منهم في مجموعة من النظريات العقلية - اي ان الاختلاف هو بين علماء وعلماء في دائرة الاسلام ، وهو اختلاف في الأسلوب وحسب - .
إذا كان الامر كذلك فما هو الباعث على إثارة كل هذا الضجيج والصخب ! ثم أية تقوى دينية هي التي تسوّغ رمي مجموعة من المسلمين ، من دون دليل ، بالكفر والزندقة والاحتيال ، وتحملهم على النفاق وخديعة الناس ؛ وتتهمهم بالكذب ، من
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 246
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٤٦