واحترزوا عن الدنيا وابتعدوا عن أهل الفسوق والفجور ، وحصروا رفقتهم بأهل الصلاح وأرباب السداد . ولكن يجب ان لا يقع الخلط بين « الرفقة والمعاشرة » وبين « الدعوة » ، كما يجب التمييز بين مجال الحياة اليومية وبين مجال البحث والتعليم والتربية .
وإذا كنّا ننظر بعين الاحترام إلى سلفنا الصالح ، فان الباعث لذلك هو انطباق هذه السيرة والمنهج ، مع سيرة النبي الأكرم ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الكرام ( عليهم السلام ) . وسيرة رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) تحكي انه كان يتصل بجميع الطبقات حتى مع أمثال أبي جهل والوليد ، مع أن القرآن دمغهم بالكفر ونصّ بصريح العبارة على عدم نفوذ الدعوة إلى قلوبهم ، حيث يقول تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
.
اجل ؛ ان هداية أهل الاستعداد وجذبهم ، لم يمثل الهدف الوحيد للاسلام ، بل إن هناك في عداد مقاصده العالية اتمام الحجة وإعلاء كلمة الحق . وعلى هذا لم يكن النبي الأكرم ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) على استعداد ابدا ان يكون الدين الذي اتى به ضحية الأقاويل والأغاليط ، ولم يكن ليصرف النظر عن إحياء كلمة الحق ، فيسكت على اعتراضات المعترضين وافتراءاتهم ، ويترك لهم الميدان ليقولوا ما يشاءون ، بذريعة عدم وجود أمل بالهداية .
وعلى هذا كانت سيرة أهل بيته الكرام ، الذين لم يحترزوا من الاتصال مع جميع طبقات الناس وفئاتهم ، حتى في المواطن التي لم يكن ثمة أثر فيها ، سوى إتمام الحجة .
وهكذا كانت سيرة المتكلمين والعلماء من أصحابهم ، أمثال هشام بن