والذي يؤسف له حقا ان كيفية البحث العلمي والتبليغ الديني في أوساطنا ، اخذا يرتديان تدريجيا ، الشكل المحكي عن العيارين ، والأسلوب المنقول عن الشطّار !
لقد بلغت القدرة العلمية للاسلام ، في عهد من العهود ، مبلغا من القوة والإحكام ، جعلها تشعّ بعطائها على مشرق الأرض ومغربها . وكان منطق التبليغ الديني هو سلاحنا المنتصر الذي يختار المنازلة في وضح النهار - لا خفية وفي ظلمة وليل ! - في أربع أرجاء الدنيا وينقضّ على الخصم كالقضاء النافذ المنزل من السماء ، فيضرب الحجب ويجتاز الموانع ، لا تحول دونه الروادع .
بيد أن غفلة عدة قرون جعلتنا نفقد هذا الموقع العظيم الذي كان مبعثا على الفخر . وعندئذ لم نتخل عن منطق المبادأة والهجوم فحسب ، بل أخذنا نتخلّى بملء إرادتنا عن استحكاماتنا الداخلية ، ونتنازل عن متاريسنا ونسلمها إلى خصمنا العنيد بكلتا يدينا ، واحدا بعد آخر . وكانّما تفتّقت أذهاننا ، ونحن في الرمق الأخير ، عن أسلوب في البحث والتنقيب ، أو في الدعوة والتبليغ يقوم على أساس إخفاء الاسم والعنوان وممارسة ذلك بشكل خفي دون أن تكون ثمة علامة دالة على الهوية !
وفي الواقع ، يستبطن هذا الأسلوب فائدتين ، هما :
أولا : حينما نعمد إلى إخفاء اسمنا وعنواننا وموقعنا ( الفكري والاجتماعي ) ونتستر على أية علامة دالة على هويتنا ، فانّ الخصم لا يسعه عندئذ ان يرد على كلامنا ، ولا إيصاله إلينا .
ثانيا : إذا مارسنا النقد بالخفاء ومن خلف الستار ، وسعنا حينئذ ان نرمي الخصم بضروب الشتم والسباب ، ونشفي قلوبنا منه بهذه الطريقة ، من دون ان يكون
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 224
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢٤