مع أن ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب بالهبة بل غاية الأمر أن
المتهب لو لم يؤد العوض ، كان للواهب الرجوع في هبته . فالظاهر أن التعويض
المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط فيها في كونه تمليكا مستقلا { 1 }
يقصد به وقوعه عوضا لا أن حقيقة المعاوضة والمقابلة مقصودة في كل من
العوضين كما يتضح ذلك بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن الهبة الأولى ،
فقد تحقق مما ذكرنا أن حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلا البيع فلو قال
ملكتك كذا بكذا ، كان بيعا ولا يصح صلحا ولا هبة معوضة وإن قصدهما إذ
التمليك على جهة المقابلة الحقيقية ليس صلحا ولا هبة فلا يقعان به ، نعم لو قلنا
بوقوعها بغير الألفاظ الصريحة توجه تحققهما مع قصدهما فما قيل من أن البيع هو
الأصل في تمليك الأعيان بالعوض فيقدم على الصلح والهبة المعوضة محل تأمل ،
بل منع لما عرفت من أن تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير . نعم لو أتى بلفظ
التمليك بالعوض واحتمل إرادة غير حقيقته كان مقتضى الأصل اللفظي حمله
على المعنى الحقيقي فيحكم بالبيع ، لكن الظاهر أن الأصل بهذا المعنى ليس مراد
القائل المتقدم وسيجئ توضيحه في مسألة المعاطاة في غير البيع إن شاء الله .
شرح
والفرق بينها وبين البيع حينئذ واضح غاية الأمر في الصورة الأولى إذا لم يهب
المتهب ذلك الشئ يكون للواهب الخيار ، ولا يكون ذلك في الصورة الثانية .
وأما في الوجه الثالث : فإن قلنا بعدم صحة شرط النتيجة فلا كلام ،
{ 1 } وإن قلنا بصحته فذلك الشئ وإن كان يصير ملكا له إلا أنه للشرط لا لعقد
الهبة والمال الموهوب إنما يعطى مجانا لا بإزاء شئ ، وهذا بخلاف البيع .
وأما في الوجه الرابع : فهو بيع حقيقة بلسان الهبة ، وسيأتي الكلام في أنه هل يصح
البيع بلسان الهبة أم لا .
وأما في الوجه الخامس : فقد أفاد السيد قدس سره في الفرق بينها وبين البيع : إن في البيع
المقابلة إنما تكون بين المالين ، وفي هذه الهبة تكون بين الفعلين .
وما ذكره من الفرق على تقدير صحة هذه الهبة متين ، إلا أن الكلام في صحتها ،
وذلك لأنه إن أريد بها تعليق هبته على هبة الآخر ، فلو لم يهب الطرف لا يكون هبة من هذا