ثم إنه لا ينبغي الإشكال في أن المبالغة في الادعاء وإن بلغت ما بلغت ليست من
الكذب { 1 } وربما يدخل فيه إذا كانت في غير محلها كما لو مدح انسان قبيح المنظر
وشبه وجهه بالقمر إلا إذا بنى على كونه كذلك في نظر المادح ، فإن الأنظار تختلف
في التحسين والتقبيح كالذوائق في المطعومات .
شرح
يرد على الجميع : أولا : إنها ضعيفة السند ، أما الروايات المتقدمة فلما تقدم ، وأما
خبر أصبغ فلعروة .
وثانيا : إن أغلبها لا تدل على الحرمة ، بل غاية ما تدل عليه هي المرجوحية الملائمة
مع الكراهة ، وذلك لأن قوله عليه السلام في خبر حارث لا يصلح من الكذب جد ولا هزل لو لم
يكن ظاهرا في الكراهة ، لما كان ظاهرا في الحرمة قطعا . كما أن قوله عليه السلام في مرسل سيف
اتقوا الكذب لا يستفاد منه أزيد من المرجوحية لمادة اتقوا ، وللتعليل فيه . وكذلك
قوله عليه السلام في خبر الخصال : أنا زعيم بيت في الجنة . . . الخ لا يدل على رجحان ترك الكذب
في الهزل ، كما أن خبر أصبغ لا يستفاد منه أزيد من ذلك ، إذ المكروه أيضا يمنع عن وجدان
المؤمن طعم ايمانه .
المبالغة
{ 1 } ثانيها : إنه هل المبالغة في الادعاء من الكذب أم لا ؟
المبالغة في الادعاء تارة : تكون بالقاء كلام له ظهور أولي وظهور ثانوي ولو بواسطة
القرائن ، وهو بظهوره الأولي مخالف للواقع ، ولكنه بظهوره الثانوي موافق له ، والمتكلم أراد
منه ما هو ظاهر منه بالظهور الثانوي ، ومن هذا القبيل باب التشبيه والاستعارة والكناية ،
كتشبيه الوجه الحسن بالقمر ، واستعارة الأسد للرجل الشجاع ، والكناية عن الجود
بكثرة الرماد .
وأخرى : تكون بالقاء كلام ليس له غير ظهور واحد وأراد المتكلم منه ذلك ، وهو
مخالف للواقع ، كأن يقول : أعطيت زيدا خمسين درهما ، والحال أنه أعطاه درهما واحدا ، أو
القاء كلام له ظهور ثانوي وأراده المتكلم وهو مخالف للواقع ، كأن يكني عن رجل بخيل
بكثير الرماد ، ففي القسم الأول لا يتصف الكلام بالكذب بخلاف القسم الثاني ، فلا تحرم
في الأول ، وتحرم في الثاني ، ولا يخفى وجههما .