الذين يشققون ( 1 ) الكلام تشقيق الشعر " ، وهذا القول مجاز ،
والمراد الذين يتصرفون في الكلام فيدققون فيه ، ويتعمقون
في معانيه . وشبه عليه الصلاة والسلام فعلهم ذلك بتشقيق الشعر ،
لان طاقات الشعر مستدقه في نفوسها ، وإذا تعاطى الانسان تشقيقها
انتهت من الدقة إلى غاية لا زيادة وراءها ، وهذا اللعن في الخبر إنما
يتناول من بلغ في تدقيق الكلام إلى ذلك الحد ليشتبه الباطل
بالحق ، ويجوز الغى بالرشد ، كما قلنا في تأويل قوله عليه الصلاة
والسلام : " ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجلسا
يوم القيامة ؟ الثرثارون المتفيقهون ( 2 ) " .
337 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : ليدخلن هذا
الدين على ما دخل عليه الليل " ، وهذا القول مجاز . والمراد انتشار
الاسلام في الشرق والغرب ، واشتماله على البر والبحر ، فجعله عليه
هامش
( 1 ) يشققون الكلام : يزينونه ويحسنونه حتى يخرج أحسن مخرج ، فهو
كالكلام المعسول ومذاقه مر ، وتشقيق الشعر : أي مثل تشقيق الشعر وتصفيفه
وترجيله وتلميعه ، يلبسون الحق بالباطل ، ويقدمون القبيح في ثوب المليح .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية وتشبيه بليغ ، الأول : حيث شبه تزيين الكلام
وتحسينه بتصفيفه وتقسيمه إلى أقسام تحسن في السمع بتشقيق الشعر ، واشتق من
التشقيق بمعنى التزيين يشققون بمعنى يزينون على طريق الاستعارة التبعية ، والثاني
حيث شبه تشقيق الكلام بتشقيق الشعر في دقة التقسيم وحسن التزيين ، وحذف
وجه الشبه والأداة .