يتتايع الفراش في النار " وهذا القول مجاز ، والمراد يتسارعون
إلى قول الكذب تهافتا فيه ، ومنازعة إليه ، فيكونون كالفراش
المتساقط في النار ، لأنه يلوذ بها وينازع إليها ، والتتايع : التواقع في
الشئ المكروه ( 1 ) ، فلما كان الكذب كالمهواة ( 2 ) والمزلة ، من
حيث أدى إلى المخزاة والمذلة ، حسن لذلك أن يجعل المتسرع إليه
كالواقع فيهما ، والمرتكس في قعرهما . وقد يجوز أيضا أن يكون
المراد أن الكذب لما كان مفضيا إلى دخول النار جعل المتسرع
إليه كالمتهافت في النار ، ويؤكد هذا الوجه تشبيه المتتايع في الكذب
بالفراش المتساقط في النار ، ولذلك نظائر قد تقدم الكلام عليها في
هذا الكتاب ( 3 ) .
هامش
( 1 ) في القاموس : التتايع : ركوب الامر على خلاف الناس ، والتهافت
والاسراع في الشر واللجاجة ، وأجود المعاني المناسبة للتتايع هنا هو التهافت ،
لان تتايع الفراش تهافته ، والتهافت : هو التساقط والتتابع ، ولا مانع أن يكون
الحديث : تتابعون بالباء بدل الياء ، أي يتلو بعضكم بعضا ، ولكن المعنى الأول
أفضل .
( 2 ) المهواة : مكان الهوى والسقوط ، والمزلة : مكان الزلل والوقوع .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه تهافت الناس في الكذب ووقوعهم فيه
بتهافت الفراش في النار ، بجامع الوصول إلى سبب الهلاك في كل ، واشتق من
التتايع تتايعوا بمعنى تتهافتوا ، على طريق الاستعارة التبعية ، وفيه أيضا استعارة
بالكناية ، حيث شبه الناس بالفراش في إسراعهم في أسباب هلاكهم ، وحذف
المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه ، وهو التتايع ، وإسناد التتايع إلى ضمير
الناس تخييل .