339 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " حجوا قبل
ألا تحجوا قبل أن يمنع البر جانبه " . وفي هذا القول مجاز .
والمراد حجوا قبل أن يمنع سلوك البر القاطعون لسبيله ، والعائثون
في طريقه ، والحائلون بين الناس وبين دخوله . فلما جعل عليه الصلاة
والسلام البر ممنوعا بمن أشرنا إلى ذكره ، حسن على طريق المجاز
أن يجعله كالمانع لجانبه ( 1 ) ، والمخوف لسالكه ، لان المحجوب كرها
كالمحتجب ، والممنوع قسرا كالممتنع ( 2 ) .
340 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الحمى
كير ( 3 ) جهنم " وهذا القول مجاز . والمراد المبالغة في وصف حرارة
الحمى واتقادها ، وشدة أوارها ، فشبهها عليه الصلاة والسلام : بكير
يستمد من نار جهنم ، وهي أعظم النيران وقودا ، وأبعدها خمودا .
هامش
( 1 ) يقال منع جانبه : إذا اشتدت قوته ، ومنه الناس من تحيف أطرافه
والوصول إلى مكانه .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه قطع الطريق وعدم إمكان السير فيه ،
بمنع جانبه كما سبق بيانه ، بجامع عدم الوصول إليه وعدم إمكان السير فيه ،
واشتق من منع الجانب بمعنى تعذر السير ، يمنع بمعنى يتعذر السير فيه ، على طريق
الاستعارة التبعية . وفيه أيضا استعارة مكنية ، حيث شبه البر بالانسان الذي يمنع
جانبه ويحميه من مس أحد له ، وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو الجانب
وإسناد المنع إلى البر تخييل .
( 3 ) الكير : منفاخ الحداد ، ومعنى أن الحمى كير جهنم : أنها كالكير الذي
يقوى النار ، غير أن هذا الكير يلفح لفحا شديدا كأنه لفح جهنم ، لان كير جهنم
فيها ، والهواء الذي يخرج منه حار حرارة جهنم .