بالوتد في الملازمة أبلغ من تشبيهه بالحمامة ، لان الحمامة تنتقل وتزول ،
والوتد مقيم لا يريم ( 1 ) .
331 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث
طويل : " ورجل تصدق بصدقة أخفاها لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه " وهذا مجاز ، والمراد المبالغة في صفته بكتمان نفقته ، وإخفاء
صدقته ، فإذا كانت شماله لا تعلم بما تنفقه يمينه ، وهي سريحتها ( 2 )
وقسيمتها ، وجارتها ولصيقتها ، فأجدر ألا يعلم بذلك غيرها ممن
شط ( 3 ) دارا ، وبعد جوارا ( 4 ) .
332 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكر
لوطا عليه الصلاة والسلام ، وقوله لقومه : " لو أن لي بكم قوة
أو آوى إلى ركن شديد " . قال عليه الصلاة والسلام : " فما
بعث الله بعده نبيا إلا في ذروة قومه " وهذه استعارة ، والمراد
فما بعث الله بعده نبيا إلا في أعلى شرف قومه ، لئلا يغمض حسبه ،
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه المقيمين في المساجد ، الملازمين لها
بالأوتاد ، بجامع الثبات وعدم المفارقة في كل ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه .
( 3 ) سريحتها : شقيقتها ، لان السريحة هي القطعة من الثوب ، فالقطعتان
سريحتان ، كل منهما سريحة للأخرى ، وقسيمتها توضيح لها .
( 3 ) شط : بعد .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث كناية ، حيث كنى بعدم علم شماله بما تنفقه يمينه عن شدة الاخفاء .