الانسان بمنزلة الغمرة ( 1 ) الطامية ، والجمة ( 2 ) الطافحة ، وجعل إنفاقه
منه وتقلبه فيه ، بمنزلة الخوض في الجمام الغزار ، واللجج ( 3 ) الغمار .
330 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إن للمساجد
أوتادا ، الملائكة جلساؤهم ، إذا غابوا افتقدوهم ( 4 ) ، وإن مرضوا
عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم " وهذه استعارة ، كأنه
عليه الصلاة والسلام شبه المقيمين في المساجد ، والملازمين لها ،
والمنقطعين إليها بالأوتاد المضروبة فيها ، وذلك من التمثيلات العجيبة
الواقعة موقعها ، والمقرطسة غرضها ( 5 ) ، ويقال : فلان وتد المسجد ،
وحمامة ( 6 ) المسجد : إذا طالت ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وتشبيهه
هامش
( 1 ) الغمرة : الكثرة من الماء ، والطامية : العالية .
( 2 ) الجمة : معظم الماء . والطافحة : التي بلغت الحافة ثم سالت على الجوانب .
( 3 ) اللجج : جمع لجة ، وهي الماء المجتمع ، والغمار : الكثيرة .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه كثرة المال وعمومه بفيض النهر ونحوه
بجامع الزيادة ، واشتق من الفيض بمعنى العموم ، يفيض بمعنى يعم ، على طريق
الاستعارة التبعية ، وفيه أيضا استعارة بالكناية ، حيث شبه المال بالماء في زيادته
وفيضه ، وحذفه ورمز إليه بشئ من لوازمه ، وهو يفيض ، وإسناد الفعل إلى ضمير
المال تخييل . وفي الحديث الآخر استعارة تبعية أخرى في " متخوض " حيث شبه
المنفق في مال الله الكثير ، بالمتخوض في الماء .
( 4 ) افتقدوهم : طلبوهم عند غيابهم .
( 5 ) يقال قرطس السهم : أصاب الغرض ، أي من التمثيلات المصيبة غرضها .
( 6 ) حمامة المسجد : يشبه المقيم بالمسجد بحمامته ، لان الحمام يأوى إلى المسجد
ويقيم فيه اطمئنانا إلى أن أحدا لن يهيجه .