والسلام لهذه الحال بخائض الغمر ( 1 ) في مشيته ، والمغتمس ( 2 ) فيه
عند جلته ( 3 ) .
296 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل
" لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس ، حتى
تذهب فحمة العشاء " ، فقوله عليه الصلاة والسلام : فحمة العشاء ،
المراد ظلمة العشاء ، إلا أنه عليه الصلاة والسلام شبه الظلمة في هذا
الوقت بالفحمة ، وهي الهنة السوداء التي أحرقت النار أجزاءها ،
وإحالتها عن هيئتها ( 4 ) والجمع فحم كسعفة وسعف ( 5 ) ، فكأنه عليه
الصلاة والسلام أقام شمس النهار مقام النار المتوقدة ، فإذا انطفأ
جاحمها ( 6 ) وخمد متضرمها ( 7 ) أعقب منها الحمم ( 8 ) وخلفها الفحم ،
هامش
( 1 ) الغمر : الماء الكثير .
( 2 ) المغتمس فيه : المغمور به حتى يغطيه .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة بالكناية واستعارة تبعية . الأولى : حيث شبهت الرحمة
بالنهر بجامع النفع العميم في كل ، وحذف المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه
وهو الخوض ، وإثبات الخوض إلى الرحمة تخييل ، والثانية : حيث شبه سير عائد
المريض إلى عيادته بالخوض في الرحمة بجامع الحسن واليمن والبركة في كل ، واشتق
من الخوض بمعنى السير ، يخوض بمعنى يسير ، على طريق الاستعارة التبعية .
( 4 ) هي الجمرة عند خمود جذوتها واسوداد لونها ، وفي القاموس الفحم :
الجمر الطافئ .
( 5 ) هو اسم جمع ، وقوله جمع تجاوز عن الاصطلاح .
( 6 ) جاحمها : شديدها ومتأججها .
( 7 ) خمد : سكن ، والمتضرم : شديد الاشتعال .
( 8 ) الحمم : جمع حممة بوزن " همزة " وهي الجمرة الحامية الحارة ، والمراد بقي
منها الحرارة .