وهذه من محاسن الاستعارات . والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام :
وينظر في سواد أن حدقته سوداء أو مطارح نظره منها فكأنما
وينظر في سواد ، وهذا المعنى أراد كثير بقوله :
ومن نجلاء ( 1 ) تدمع في بياض * إذا دمعت وتنظر في سواد
فالمراد بقوله تدمع في بياض أن دمعها يقطر على خدها وهو أبيض ،
فيصير الدمع واقعا في بياض ، والمراد بقوله وتنظر في سواد المعنى
الذي قدمنا ذكره من وصف الحدقة بشدة الاسوداد ، وإذا كان
النظر منها فكأن النظر في سواد ( 2 ) .
293 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكر له
امرأة استحيضت ( 3 ) : " ليست هذه بالحيضة ولكنها ركضة
هامش
( 1 ) النجلاء : واسعة العينين .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارتان تبعيتان . الأولى : يطأ في سواد ، والثانية : ينظر
في سواد ، حيث شبه وضع الكبش رجله ذات الظلف الأسود على الأرض عند
المشي بالوطئ في سواد ، بجامع الشكل في كل ، واشتق من الوطئ في سواد يطأ
بمعنى يضع قدمه سوداء الظلف على طريق الاستعارة التبعية ، وحيث شبه نظر
الكبش ذي الحدقة السوداء بالنظر في السواد ، بجامع الشكل في كل ، واشتق
من النظر في السواد بمعنى نظر الكبش ذي الحدقة السوداء ينظر في سواد بمعنى
بنظر حال كونه حدقته سوداء ، على طريق الاستعارة التبعية .
( 3 ) استحيضت : معناها أنها حصلت لها الاستحاضة ، وهي من ينزل عليها
الدم ، لامن الحيض ، بل بسبب مرض يسمى الاستحاضة ، ينزل منه الدم على المرأة
باستمرار في غير أوقات الحيض ، ويقول الفقهاء : إنه يسيل من عرق في الرحم
يسمى العاذل ، ومعنى ذكر له امرأة استحيضت سأله الناس عن هذه المرأة على
أنها نزل عليها الحيض على غير عادة النساء وهو نزوله في غير أوقاته ، فأجابهم
الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هذا الدم ليس حيضا وإنما هو استحاضة ، وهو
ما عبر عنه بقوله " ولكنها ركضة من الرحم " . وكانت هذه الكلمة في الطبعتين
السابقتين " استحيضته " ولكني أرجعتها إلى صحتها .