ولو قال : أيديهم أذناب خيل شمس ، لكان الكلام مستعارا .
ولذلك نظائر كثيرة يطول بذكرها الكتاب ( 1 ) ، ولم يرض عليه
الصلاة والسلام بقوله : " طف الصاع " في إرادة الغرض الذي
تكلمنا عليه في الخبر ، حتى قال : " لم تملؤوه " فزاد المعنى إيضاحا ،
والكلام إفصاحا .
وفي ضمن هذا القول نهى عن الافتخار على الناس إلا بالفضائل
الدينية ، دون الفضائل الدنياوية ( 2 ) ، وهو معنى قوله عليه الصلاة
والسلام : " ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى " لان فضائل
الدين وصل ( 3 ) يتوصل بها إلى النعيم الباقي ، والدرج العوالي ،
وفضائل الدنيا لا نعدو غايتها ، ولا توصل إلى ما بعدها ، فهي كالغرس
الذي لا يثمر ، والزاد الذي لا يبلغ ( 4 ) .
هامش
( 1 ) هذه الأمثلة التي ذكرها الشريف وجعلها مع الكاف تشبيها ومع
عدمها استعارة ، يؤيد ما ذكرناه في مقدمة هذا الكتاب من أن الشريف يعتبر
التشبيه البليغ استعارة ، والاصطلاح البلاغي ليس كذلك ، بل يسمى ما ذكر فيه
طرفا التشبيه وحذف منه وجه الشبه والأداة تشبيها بليغا .
( 2 ) هذا أحد الأوجه الجائزة في النسب إلى دنيا ، ويجوز فيها أيضا
دنيوي ، وديني .
( 3 ) الوصل : جمع وصلة ، والوصلة والصلة بمعنى واحد ، لان الواو حذفت
من " صلة " جوازا حملا على حذفها في مضارع الفعل ، إذ يقال : وصل يصل ،
أما حذفها في المضارع فواجب لوقوعها بين الياء والكسرة .
( 4 ) الزاد الذي لا يبلغ : هو الزاد الذي لا يكفي المسافر حتى يصل إلى غايته .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية حيث شبه عدم الكمال الخلقي والديني بطف المكيال
بجامع عدم الوصول إلى الغاية في كل ، واشتق من الطفف طف بمعنى ناقص ، على
طريق الاستعارة التبعية .