215 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " كلكم
بنو آدم طف ( 1 ) الصاع لم تملؤوه ، وليس لاحد على أحد فضل
إلا بالتقوى " في حديث طويل ، فقوله عليه الصلاة والسلام :
" طف الصاع " ها هنا استعارة . والمراد أن كل من كان من ولد آدم
عليه الصلاة والسلام ، فهو ناقص لا يوصف بالتمام ، ولا يعطى مزيد
الكمال ، وإنما يتفاضل الناس بأعمالهم ، ويفضلون بكثرة فضائلهم .
وإنما يوصف الانسان بأنه فاضل إذا أضيف إلى الناقص ، وإلا فلا بد
من نقائص تتخلل فضائله ، ومساو ( 2 ) تتوسط محاسنه . إما بأن يكون
فاضلا في حال ، وناقصا في حال ، وإما بأن يكون قاصرا عما فوقه ،
وزائدا على من دونه . وقوله عليه الصلاة والسلام : " طف الصاع
لم تملؤوه " من العبارات العجيبة عن هذا المعنى ، يريد أن كلكم
قاصر عن غاية الكمال ، تشبيها بطف المكيال ، وهو أن يقارب
الامتلاء من غير أن يمتلئ . يقال : طف المكيال وطفافه إذا أريد
به هذا المعنى ، وهو ضد الطلاع ( 3 ) والطفاح ، لان هاتين اللفظتين
هامش
( 1 ) الصاع : مكيال تكال به الحبوب ، وهو قد حان مصريان عند أكثر
الفقهاء ، وطف الاناء وطففه وطفافه : بفتح الطاء وكسرها ، ما ملا حافته
وجوانبه ، ولم يصل إلى رأسه وغايته ، وهو ملؤه أيضا ، ولذلك قال الرسول
صلى الله عليه وسلم : " لم تملؤوه احترازا من طف الكيل " بمعنى ملئه .
( 2 ) مساو : جمع مساءة ، وأصلها مساوئ ، سهلت الهمزة بقلبها ياء ،
فصارت مثل جواري ثم حذفت الياء للتنوين .
( 3 ) طلاع الشئ : بكسر الطاء ملؤه ، وطفاح الشئ ملؤه أيضا ، ومن
ذلك طفاح الأرض ذهبا : أي ملؤها ذهبا .